شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

عندما تستوي الاختيارات.. الهضيبي والسنهوري أنموذجًا

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبين الحين والآخر تحدث اختلافات سياسية يدلو فيها كلٌّ بدلوه، وكثير من أصحاب هذه الدلاء يدلون بها من باب: "ركوب الموجة"، ومن باب: "لعل وعسى"، وبعضهم يدلي بدلوه من باب: "الوجاهة" الاجتماعية، وكثير من المشاركين يتحركون متى أشارت "أمريكا"، أو أعلنت بيانات لا ينقصها إلا أن تعَنون بعنوان: مطلوب مندوبين تسويق لـ"لعبات سياسية"؛ لتصبح "أمريكا" هي شرطي العالم، وهي التي تدير العلاقة بين الدول، بل تدير العلاقة بين الحكومات والشعوب، ومعظم هؤلاء لا يمتلك مشروعًا حضاريًّا يدعو الأمة إليه، فضلاً عن أن تكون لديه القدرة على تطبيقه .

ورغم امتلاك التيار الإسلامي الذي يختار خوض غمار السياسة لمشروع هو مشروع إسلامي في الجملة؛ إلا أنه يدفع ثمنـًا باهظـًا للدخول في لعبة "الديمقراطية"، وهي غير إسلامية في الأصل، مما اضطره إلى تنازلات وصلت -في حدتها- إلى حد بوادر خلاف حاد حول انضمام الدكتور "عصام العريان" إلى مكتب الإرشاد؛ لميله إلى تقديم مزيد من التنازلات في سيل الاندماج في اللعبة الديمقراطية، بما في ذلك الاعتراف الضمني بـ"الوصاية الأمريكية" على التجربة الديمقراطية في مصر، وله في ذلك مقالات بعنوان: "الإخوان المسلمون وأمريكا: جدل المبادئ والمصالح، حوار ضائع يبحث عن شريعة، وعن أجندة، وعن مستقبل!!".

وبينما يفضل الإخوان الخوض مع كل هذه المخاطر من الهيمنة الأمريكية إلى التحالف مع الأحزاب العلمانية؛ ترى الدعوة السلفية أن الفاتورة التي يُطالب الإسلاميون بدفعها تمثل خصمًا من أحكام شرعية قطعية لا يمكن بحال قبولها، ومن ثمَّ أعرضنا عن الحياة السياسية بمفهومها المعاصر، وانصرفنا إلى الدعوة إلى إصلاح المجتمع: حكامًا ومحكومين، وإلى التزام الجميع بشرع الله، ومن الطبيعي لدعوة اختارت أن تنأى بنفسها عن المشاركة في النظام الديمقراطي -لأسباب شرعية- أن تنأى بنفسها عن مناقشة تفاصيله، وأن تستوي عندها فيه خياراته .

إذن فالصمت هو الموقف الطبيعي تجاه هذه العملية السياسية، وهو صمت يحاول كل فريق أن يفسره لصالحه، وهو ما نحرص في هذا المقال على نفيه نفيًا قاطعًا، وعلى تأكيد أن الصمت هو: رفض للعملية الديمقراطية بأسرها، ورفض لفكرة الدولة المدنية التي تفصل الدين عن الدولة، بل عن الحياة كلها، وهي الفكرة التي فرضها علينا الغرب، في الوقت الذي لا يخجل فيه من إعلان حرب صليبية على الدول الإسلامية "المدنية"!!.

وليس معنى هذا أننا نريد دولة دينية بالمفهوم الغربي الذي يدعي فيها رجال الدين أنهم ممثلون لله في الأرض!! فهذا المنهج إن صح عند مَن يؤمنون بإله متجسد، وبروح قدس تحل في بشر ليسوا بأنبياء؛ فإنه لا يليق بدين قال نبيه -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ؛ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ؛ فَلَهُ أَجْرٌ ) (متفق عليه) ، بل يقول عن نفسه -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، فَلاَ يَأْخُذْهَا ) (متفق عليه) ، وهذا فرق يضيق المقام هنا عن تفصيله .

الحاصل: إن صمتنا فسره كل فريق لصالحه من جهة، وانتقده البعض الآخر من جهة أخرى، لا سيما من الإخوان، ومن أيَّد توجههم الفكري، ونسي هؤلاء -وربما لم يعرفوا- أن للمستشار "حسن الهضيبي" موقفـًا مشابهًًا -إن لم يكن مطابقـًا- لهذا الموقف في رفض التعليق على أول قانون مدني مصري، فدارت بينه وبين "السنهوري" واضع ذلك القانون تلك المناقشة في مجلس الشيوخ في جلسة انعقدت خصيصًا لهذا الغرض، وإليك نصها كما أوردها الدكتور "عمر سليمان الأشقر" في كتابه: "الشريعة الإلهية لا تحكيم القوانين الجاهلية":

" حسن الهضيبي بك: أود أن أقول: إن لي رأيًا معينـًا في المسألة برمتها، وليس في القانون المدني فقط، وهذا الرأي بمثابة اعتقاد لدي لا يتغير، وأرجو أن ألقى الله عليه، إنني لم أتعرض للقانون المدني باعتراض أو بنشر، وأنا لم أقل شيئًا يتعلق بمضمونه؛ لأن من رأيي ألا أناقشه .

وقد جئت اليوم بناء على دعوتي؛ لأن زميلي "صادق فهمي بك" صحح المسألة بالنسبة إليَّ، فقد ألحق بالمحاضرة التي كان مزمعًا أن يلقيها كلمة تبين مركزي في هذا المقام.

الذي قلته أنا في تصحيح الرأي الذي نشره "صادق بك" هو: اعتقادي أن التشريع في بلادنا كلها وفي حياتنا جميعًا يجب أن يكون قائمًا على أحكام القرآن، وإذا قلت: القرآن؛ فإني أعني -كذلك بطبيعة الحال-: سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن طاعته من طاعة الله .

حضرة الشيخ المحترم جمال الدين أباظة بك: يقصد سعادة الهضيبي بك: القرآن، والحديث؟

حسن الهضيبي بك: نعم، يجب أن يكون هذان المصدران هما المصدران لكل تشريع، فإذا ما أردنا أن نأخذ شيئًا من التشريعات أو النظم الأجنبية؛ فيجب أن نردها -أولاً- إلى هذين المصدرين: ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ) (النساء:59) .

فإذا كان هذا التقنين صادرًا عن أحكام القرآن والسنة كان بها؛ وإلا فيجب أن نرفضه رفضًا باتًّا، ونرد أنفسنا إلى الحدود التي أمر الله بها .

حضرة الشيخ المحترم جمال الدين أباظة بك: وإن سكت عنه؟

حسن الهضيبي بك: الأمور في الشريعة: أمر، ونهي، وعفو: ( وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (الحشر:7) .

أما العفو فهو من الأمور المباحة التي يمكن لولي الأمر أن يصرِّفها كما يشاء على ما تقضي به المصلحة.

من أجل هذا؛ لم أشترك في مناقشة مشروع القانون المدني موضوعًا، ومن رأيي أن يصدر كيفما يكون؛ لأني شخصيًا أعتقد أنه ما دام غير مبني على الأساس الذي ذكرته، والذي أدين به؛ فخطؤه وصوابه عندي سيان.

لقد تفضل زميلي "صادق فهمي بك" وصحح الموقف بالنسبة إليَّ في مذكرة ألحقها بمحاضرته وكانت بإملائي، ولقد جئت اليوم لأبين لحضراتكم وجهة نظري، وإني أعلم -تمام العلم- أنكم غير مستعدين لقبول هذا الرأي .

الصفحة التالية