شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

عندما تستوي الاختيارات.. الهضيبي والسنهوري أنموذجًا

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الرئيس: لا شك أن كل تشريع يمكن أن يوجَّه إليه كثير من النقد غير المحدد، ونحن هنا هيئة تشريعية قـُدِّم إلينا مشروع؛ فاجتهدنا في بحثه، ونريد -الآن- أن نسمع الانتقادات التي وجهت إلى تقرير اللجنة؛ كي تجتمع اللجنة بعد ذلك لإقرار ما تراه، ولقد بدأت -الآن- بعرض الأمر بالطريقة المنطقية، فقد قدمت انتقادات موضوعية، وتريد اللجنة أن تناقش أصحابها.

حسن الهضيبي بك: " لقد ذكرت منذ لحظة أن خطأ هذا المشروع وصوابه عندي سيان".

ثم قال الدكتور الأشقر معلقـًا على ذلك بقوله:

"رحم الله "الهضيبي"، لقد قال كلمة الحق التي ينبغي أن يقولها المسلم، فهذا القانون لا يستحق أن يـُناقش؛ لأنه غير مأخوذ من الكتاب والسنة، وصوابه وخطؤه عنده سيان ما دام كذلك، ولم يطل الكلام، فهو يعلم أن القائمين على إعداد القانون غير مستعدين لقبول رأيه؛ لأنه الأمر المفروض على الأمة فرضـًا، ولم يستطع "السنهوري" أن يناقش "الهضيبي" -رحمه الله-؛ لأن "الهضيبي" كان حازمًا وصريحًا".

هذا وقد حكى هذه القصة المستشار "مأمون الهضيبي" في حوار له مع مجلة "المجتمع الكويتية"، وأعاد موقع "إخوان أون لاين"، نشره في سلسلة مقالات بعنوان: "المستشار الهضيبي... السيرة والمسيرة"، تم نشر هذه القصة في الجزء الثالث منها، والمنشور في تاريخ: 22/1/2004م، وجاء فيها تأييد الأستاذ "البنا" لموقف الهضيبي -رحمهما الله -تعالى-، حيث جاء فيه على لسان "مأمون الهضيبي" قوله :

" قبل استشهاد "البنا" أعد "السنهوري باشا" القانون المدني، وعرض هذا المشروع على جهات كثيرة، ومنها: "محكمة النقض" التي كان "الهضيبي" مستشارًا بها، وعندما عرض القانون على مجلس الشيوخ في ذلك الوقت وكان به علماء جهابذة؛ علم المجلس أن مستشاري محكمة النقض لهم رأي مخالف في هذا القانون، فقررت اللجنة التي شكلها المجلس من المستشارين لدراسة القانون استدعاء عدد من المستشارين لسماع آرائهم، وكان من بينهم "الهضيبي"، وعندما سألته اللجنة عن رأيه في القانون فوجئت بقوله: إنه لم يقرأ القانون أصلاً! فسأله أعضاء اللجنة: لماذا؟!

قال: لأن لي مبدأ أرجو أن ألقى الله عليه، وهو: أن "الحكم لله"، وأن الواجب هو تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وأن كل قانون لا يقوم على أساس الشريعة الإسلامية باطل، وأنا أرفضه، وسيان عندي أن يكون صحيحًا في عالم القانون الوضعي أو غير صحيح.

فوجئت اللجنة بكلام عن الشريعة، والقانون الإسلامي، وهو ما لم يسمع به أحد من قبل من مستشار في ذلك الوقت !

وشرح للجنة رؤيته الكاملة لأحكام الشريعة وقوانينها، هنا انكشفت هوية المستشار "حسن الهضيبي"، وذاع ما قاله أمام لجنة مجلس الشيوخ عند الأمن العام، وعند الجماهير .

أما الإخوان... فقد عبروا عن تحيتهم له في برواز كبير بجريدة الإخوان كتبه الإمام "البنا" تحت عنوان: "حيَّا الله الهضيبي"، وأورد تفاصيل موقفه في مجلس الشيوخ" (1) .

وعلى الرغم من التزام الصمت تجاه هذه "اللعبة السياسية" فإننا نحذِّر وبقوة من قطع الصلة القائمة بين النظام القانوني المعاصر ودين الأمة، نقصد بذلك: المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن: "الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع"، ورغم عدم تفعيل هذه المادة لما مضى من قوانين، ورغم الالتفاف حولها في كثير من القوانين المعاصرة بتتبع المذاهب الشاذة أو نسبة أقوال إلى الفقه وهي دخيلة عليه (2) ، أو بعرض منطوق القوانين على المادة دون مفهومها (3) .

وعلى الرغم من ذلك كله تبقى هذه المادة أملاً في أن تمثل أصلاً للتصحيح، وأما المساس بها فربما تكون القشة التي تقصم ظهر النظام المدني الحالي؛ لتحوله إلى نظام علماني قح، وأما إذا وجدت رغبة جادة لتطبيقها لما مضى، ولما سيأتي من قوانين، فربما تحول معه صمتنا من صمت المغضب إلى صمت المقر أو المتابع، وربما خرجنا عن حالة الصمت أصلاً .

وبينما تحاول القوى السياسية تفسير صمتنا النابع من الرفض الإجمالي لهذه اللعبة على أنه تأييد لها؛ اعتبرت القوى الفكرية الصمت بمثابة الاعتراف بعدم وجود مشروع سلفي للإصلاح، بينما يدعو السلفيون إلى مشروع إصلاح استفاد كماله وتمامه من كمال الشرع وتمامه: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ ) (المائدة:3) .

وهذا إجمال لمنهجنا في مقابل من ينادي بـ"الاشتراكية" كمنهج مجمل! أو الليبرالية! أو غيرها من الأنظمة...! ومن طلب التفصيل في قضية فليطلبه؛ نبينه له -بإذن الله-، أو ليقصد المصادر الأصلية للفقه الإسلامي؛ يجد لكل معضلة حلاًّ، ولكل نازلة جوابًا.

وعلى صفحات هذا الموقع -على سبيل المثال- تجد مقالات تناقش مشكلة البطالة، ومشكلة الأزمة الاقتصادية، وأنفلونزا الخنازير، وحكم الرياضة بين المباح والممنوع، وظاهرة التحرش الجنسي، وعلى صفحة الفتاوى تجد إجابة لكل سائل في نواحٍ تعبدية، ونواحٍ اقتصادية، وطبية، ومجتمعية.

إذن فنحن نقدم أكمل وأتم مشروع إصلاحي، وابتعادنا عن غمار اللعبة السياسية؛ للمحافظة على نقاء هذا المنهج وكماله وتمامه؛ وإلا فقد اضطر الإسلاميون الذين يقبلون بـ"الحل البرلماني" إلى تشجيع مسابقات الكرة هربًا من مصادمة مشاعر الجماهير! ولأنها عندهم أهون الشرور؛ رغم إدراكهم أنها من أهم وسائل الإلهاء عن قضايا الأمة، وها هي مباراة كروية تكاد تحدث انفصامًا عظيمًا بين بلدين إسلاميين يحار فيها الساسة: علمانيهم، وقوميهم، وإسلاميهم؛ لأن كل هؤلاء قد قبلوا بالمسابقات الغربية كمبدأ، وتركوا الحكم الشرعي في المسابقات الرياضية !

انظر كيف تتشابك الأمور إلى الحد الذي يؤدي إلى أن تنمو فيه مخالفة قد يراها البعض يسيرة إلى حد أن تكون معضلة سياسية كبيرة، وهذا ما نعنيه من كمال الشرع وتمامه، وتكامل جزئياته بصورة تقصر عنها عقول البشر، ولا تدرك الكثير منها إلا بعد أن تكون قد اكتوت بنيرانه، وعندما تكتوي بنيرانه ربما يكون له من القوة والنفوذ والمنتفعين ما يجعل الجميع يغض الطرف عن تلك النيران، وعن هذه المفاسد !

الصفحة السابقة الصفحة التالية