شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أداحس وغبراء بعد إذ أكرمنا الله بالإسلام

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد سجل تاريخ العرب قبل الإسلام أيامًا للعرب؛ دارت فيها حروب ضروس بين قبائلهم، كان بعضها بسبب: الصراع على موارد الرزق المحدودة في جزيرة العرب، وأضرم نيرانها حمية الجاهلية، وعُبِيّة الجاهلية، وفخر الجاهلية بالأحساب والأنساب.

وصاغ كبراء القوم الذين أسكرهم حب الفخر، وأعماهم حب المال القواعد التي تضمن لهم وقودًا دائمًا من الجنود والأتباع كلما بدا لأحدهم أن يغتصب مُلكًا، أو أن يثأر من خصم؛ فقرروا قاعدة: "الولاء للقبيلة، والانتصار لها في باطلها قبل حقها"، وقالوا في ذلك قولتهم الشهيرة: "انصر أخاك ظالمًا، أو مظلومًا"؛ تلك الكلمة الجاهلية التي سطعت عليها شمس الإسلام فيما بعد، فأبقت حروفها، ولكنها قوَّمت معناها كما يأتيك بعد قليل -إن شاء الله-.

وتأتي على رأس قائمة حروب العرب الشهيرة حربا: "داحس والغبراء"، و"البسوس":

وأما "داحس والغبراء": فحصان وفرس تراهن أصحابهما على سباق لهما، فأمر صاحب الغبراء أتباعه بإعاقة "داحس" حتى فازت "الغبراء" بالسباق، ولأن العرب شعارهم:

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى تراق على جوانبه الدم

ولأن وقود المعركة من الأتباع المنقادين المستسلمين تحت رهن إشارة شيخ القبيلة؛ فإن"زهير بن قيس" صاحب "داحس"؛ لم يكتفِ بإلغاء نتيجة المباراة، واحتساب نتيجتها، لصالح فرسه داحس، حتى أشعل حربًا استمرت رحاها أربعين سنة!، وهي نفس المدة التي اشتعلت فيها حرب البسوس. و"البسوس": امرأة حرَّضت ابن أختها على أن يخوض حربًا ضد ابن عمه؛ طلبًا لثأر ناقة لها قتلها الأخير في لحظة غضب عارض من التي تعترى أمثال هؤلاء الطواغيت.

وهكذا كانت حروب العرب نزاعاً على: ملك، أو سيادة، أو زعامة، أو سباق خيل؛ ينتهي إلى حروب تضرم، ولا يُعلم متى تنتهي.

وكان هذا هو نفس حال "الأوس والخزرج" في مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل أن ينورها الله بالإسلام؛ فكانت الحروب تدور بينهما لهذه الأسباب، بل أتفه منها، ولذلك امتن الله عليهم بقوله: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) (آل عمران:103) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الأنصار في معرض امتنانه عليهم: (يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ: أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلاَّلاً فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي، وَمُتَفَرِّقِينَ فَجَمَعَكُمُ اللَّهُ بِي... ) (متفق عليه) .

جاء الإسلام فأزال الجاهلية، ومبادأها الظالمة، حتى إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال ممتحنـًا، ومصوبًا تصورات أصحابه -رضي الله عنهم-: (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا) ، فإذا بالنفوس التي اقـُتلِعت منها الجاهلية اقتلاعًا تسأل مستوضحة؛ لما تقرر لديهم أن الإسلام: لا يقر تلك القاعدة الجاهلية التي خلعوها بعد إذ أكرمهم الله بالإسلام؛ فقيل: "يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ"؟! فقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: (تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ) (متفق عليه) .

وعلى هذه الوتيرة سارت تربية النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه، وساق الله إليه من كل أجناس الأرض أصحابًا؛ ليشارك في أمجاد الرعيل الأول من الدعوة الإسلامية رجال من كل الأجناس، بجوار العرب الذين كانوا هم الكثرة الغالبة في صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

كان "بلال الحبشي"، و"صهيب الرومي"، و "سلمان الفارسي"، و"عبد الله بن سلام" الإسرائيلي –أي من بني إسرائيل-، ولكل منهم فضائله المعروفة المشهورة، ولكن الشيطان لم ييأس، وما زال ببعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى تنادوا فيما بينهم بدعوى الجاهلية؛ فخرج إليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- مسرعًا قائلاً: (مَا بَالُ دَعْوَى جَاهِلِيَّةٍ؟!) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالَ: (دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ) (متفق عليه) ، فكان درسًا بليغـًا للصحب الكرام؛ حتى لا يستجرينهم الشيطان ثانية.

ثم كانت حجة الوداع التي ودَّع فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه، بل ودع الدنيا بأسرها؛ فكان من أهم ما تضمنته: إبطال أخلاق وعادات الجاهلية؛ حيث قال -صلى الله عليه وسلم-: (أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ) ، واستشهد ذلك الجمع الذي لم تعرف العرب مثله من قبل على هذه الوصايا قائلاً: (اللَّهُمَّ اشْهَدِ اللَّهُمَّ اشْهَدْ) (رواه مسلم) .

وعلى هذه الطريقة المستقيمة، وهذا المنهج القويم؛ سار أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يفتحون البلاد، ويفتحون قبلها قلوب العباد، حتى انضمت إلى قافلة الإيمان أمم كانت في همجيتها قبل الإسلام كالعرب، بل أشد، منهم: "البربر"؛ الذين جاءهم الإسلام، وهم في بيئة صحراوية؛ جعلت من طباعهم صورة أشد من طباع العرب قبل الإسلام!.

فهذب الإسلام أخلاقهم، حتى أقاموا مع إخوانهم من المسلمين العرب الحضارة الأشهر في التاريخ الوسيط: "الأندلس"... ! وما أدراك ما "الأندلس"؟!! حيث ازدهر فيها كل شيء دينـًا ودنيا، وكانت علومهم الدنيوية هي التي سار "الغرب" على خطاها؛ لكي يخرج من "عصوره الوسطى المظلمة" إلى "عصر النهضة"!

وقد كانت أول أسباب التفكك والانهيار في الأندلس أن وجد الشيطان طريقه؛ لإثارة النعرات بين المسلمين العرب، والمسلمين البربر، وتداعى القبائل العربية، والقبائل البربرية بـ"دعوى الجاهلية" في كل صراع يدور بين قبيلة عربية، وأخرى بربرية؛ حتى صار التناصر بين القوميتين يعبر مضيق: "جبل طارق"؛ ليتم التناصر بين القبائل العربية، والبربرية على جانبي المضيق.

وفي إحدى هذه المرات هاجرت قبائل بربرية بأكملها منسحبة من مواقع استراتيجية في الأندلس إلى الشمال الإفريقي؛ للتدخل في صراع نشأ هناك بين العرب والبربر؛ فكانت النتيجة أن استولى عليها الفرنجة، وجعلوا منها قاعدة؛ لمهاجمة أراضي المسلمين!.

الصفحة التالية