أداحس وغبراء بعد إذ أكرمنا الله بالإسلام
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
فهل كانت سائر الإمارات الأندلسية جاهزة للتصدي لذلك العدوان؟
الإجابة معلومة... فإن المجتمع الذي أفرز تلك العصبية بين العرب والبربر؛ لابد وأنه قد ضعف فيه الولاء لدين الله إلى الدرجة التي تسمح للأعداء بإثارة الفتن بين أبناء العمومة، بل بين أبناء الأسرة الواحدة، بل ربما استطاعوا أن يظفروا في هذا المجتمع على من عنده استعداد لكي يحارب أباه من أجل الملك؛ هذا بالإضافة إلى انتشار الفسق والفجور، بل والصراع عليه أحيانـًا؛ حتى حدثت صراعات حول الفوز بجارية، أو مغنية.
وهكذا ضاعت الأندلس... وبسقوط الأندلس بدأ عصر النهضة في أوروبا، ولكن أوروبا التي أقامت نهضتها على أنقاض حضارة المسلمين في الأندلس؛ وجدت دولة إسلامية فتية تهددها في الناحية المقابلة من أوروبا، هي الدولة العثمانية التي استعمل معها الغرب نفس الأسلحة التي أُسْقِطت بها الأندلس، وعلى رأس هذه الأسلحة سلاحان: إثارة النعرات القومية، ونشر الفسق والفجور.
وحاول الغرب تمرير هذه الأفكار إلى بلاد المسلمين، حتى إذا ضعفت جاء بجيوشه العسكرية؛ ليسرع من خطى تنفيذ هذه المخططات إلى أن انتهى الأمر؛ بانسحاب جيوش الاحتلال بعد ما أنجزت كل، أو معظم ما أرادت تحقيقه؛ فانصرفت، وقد تركت بلاد المسلمين ممزقة إلى قوميات: عربية، وتركية، وكردية، وبربرية، وزنجية؛ فضلاً عن القومية الفارسية التي سبق معظم أبنائها من المسلمين إلى الانفصال بمذهب شاذ؛ يغذي هذا الانفصال هو مذهب الشيعة.
وما زال الغرب وأذنابه في بلاد المسلمين يغذون تلك النعرات الجاهلية، حتى إن الاحتلال الفرنسي للمغرب العربي استطاع القضاء على اللغة العربية هناك، واستطاع نشر الجهل الشديد بالإسلام، وكأنهم يشعرون بالخوف من أن يظل سكان المغرب العربي على انتمائهم الأصيل للإسلام حتى لا يعودوا إليهم فاتحين مرة أخرى.
ومع أن الهدف الرئيسي للاحتلال كان التمزيق التام لبلاد المسلمين إلى أكبر عدد ممكن من القوميات إلا أنهم اضطروا للترويج للقومية العربية؛ لتمثل المُسَكِّن الذي يعطى للناس حتى يتنازلوا عن الخلافة الإسلامية طواعية.
ثم حاربوا هم أنفسهم القومية العربية؛ بيد أن الدعوة القومية رغم مخالفتها للإسلام، وتضحيتها عن طواعية بالكم الأكبر من المسلمين بإضعاف الروابط معهم إلا أن دعوة القومية العربية ساهمت في إعادة نشر اللغة العربية في المغرب العربي؛ مما مهد لانتشار الإسلام فيها، ولكن الغرب لم ييأس من تحقيق أهدافه، بل يديرون الأمور بطريقة الحرب المفتوحة، وبطريقة الكر والفر، ومن هنا فإنهم لا يتورعون عن استعمال أي وسيلة من وسائلهم.
إن "فرنسا" لم تفقد الأمل بعد في أن تظل بلاد المغرب العربي متكلمة بالفرنسية، تابعة للفكر والثقافة الفرنسيين، ومن أجل ذلك تفتح فرنسا ذراعيها للمهاجرين من بلاد المغرب العربي؛ بهدف نشر النمط الغربي بينهم، ولذلك تجدهم في غاية الشراسة في مواجهة المهاجرين المتمسكين بإسلامهم؛ لا سيما حجاب النساء، فضلاً عن النقاب؛ لكونه علامة ظاهرة ملموسة لتمسك هؤلاء المهاجرين بدينهم، وعدم انصهارهم في الثقافة الفرنسية.
ومحاولة صبغ العالم الإسلامي بالصبغة الغربية، لا يستثنى منها بلد، حتى السعودية ذاتها مع خصوصية تجربتها إلا أن أذنابهم نجحوا مؤخرًا في إنشاء: "أول جامعة سعودية مختلطة"، وما زالت أمضى الأسلحة في ذلك: إثارة الفرقة، والنعرات الجاهلية، وإشاعة روح الهزل، واللهو بين الأمم، ولكل من هذين السلاحين أثره الناجع في المعركة، ولكنهما يكونان أمضى إذا اجتمعا، وهما يجتمعان في مسابقات الكرة، لا سيما مع وجود عدد من المهووسين بها في كل شعب من شعوب المسلمين، ولكن المصيبة ازدادت خطرًا واستفحالاً عندما تعددت "القنوات الفضائية"، وجلس في مقعد الموجهين أمثال هؤلاء المتهورين الذين لا يهمهم إلا إرضاء جمهورهم على حد تعبيرهم الدائم... !!
وبلغ الأمر مداه في مباريات: "مصر" و"الجزائر" في تصفيات كأس العالم: "2010"، والتي تجاوز فيها "التعصب الأعمى" نطاق الملاعب؛ ليشمل البيوت، والشركات؛ وليتحول الأمر إلى "حرب أهلية حقيقة"!! حيث لعب الفريقان ثلاث مباريات كانت الأولى في "الجزائر"، وشهدت بعض المضايقات للفريق المصري، ثم جاء الإعلام الرياضي؛ لكي يحرِّض الجمهور المصري على الرد بالمثل، وشهد الانترنت والفضائيات مساجلات، وشتائم بين الشباب المسكين في كل من البلدين؛ مع محاولات ظاهرية من: "الإعلاميين"، و"المسئولين الرياضيين" في كل من البلدين لتهدئة الأوضاع، ولكنها محاولات افتقدت الإخلاص، والرغبة الحقيقة؛ فكل منهم يريد تهدئة لا تؤثر على هياج الجمهور، وتوافده وتشجعيه حتى آخر لحظة، وكل منهم يريد تهدئة ظاهرية مع استمرار الضغط النفسي، والعصبي على الخصم.
ولما انتهت مباراة القاهرة بفوز "الفريق المصري" بفوز عَادَل به "الفريق الجزائري"؛ انطلقت شرارة غضب من الجمهور الأهوج في الجزائر؛ أججتها صحف "حمراء"، لا "صفراء"، صحف لا يهمها الدماء التي تسال طالما أن مبيعاتها سوف تزداد؛ فادعت وجود قتلى بين المشجعين الجزائريين بالقاهرة! فرد الجمهور الجزائري بالاعتداء على كل مصري يجدونه أمامهم، ولو عرف هؤلاء أبسط قواعد الشرع؛ لتثبتوا، ولو تثبتوا لوجب عليهم أن يطالبوا بالقصاص من الفاعل، لا من كل من ينتمي لنفس بلده! ولكنهم الغوغاء الذين تستعبدهم الآلة الإعلامية الكروية في كل بلاد المسلمين، ومع هذه النيران المشتعلة لم تهدأ القنوات الفضائية المصرية عن "التجييش" للحرب الفاصلة، والتي اختير لها البلد المسكين "السودان"، وكأن المصريين الذين كانوا يصلون إلى مطار القاهرة تباعًا، تاركين عملهم وأموالهم بالجزائر لا يهمون الرياضيين والإعلاميين في شيء فلتأكلهم الجماهير الجزائرية المتعصبة، أو لتطردهم، المهم الوصول إلى كأس العالم!
وأقيمت المباراة الفاصلة، وفازت بها الجزائر، وكان من المفترض أن ينصرف الجمهور الجزائري إلى احتفالاته، ولكنه لم يفعل، وإنما طارد "فلول" القوات... أقصد "الجمهور" المصري، وهو في طريقه إلى المطار!
أي نفس هذه التي تقدم على أذى مسلم، أو مسلمة من أجل مباراة انتهت وحسمت نتيجتها؟؟!!