شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أداحس وغبراء بعد إذ أكرمنا الله بالإسلام

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

إنه مما استخدمه هذا الإعلام الفاسد من أجل شحن شباب الكرة المسكين.. أن قالوا له: إن الجزائر بربر، وليسوا عربًا.

وعلى الجانب الآخر يقال لهم: إن المصريين فراعنة، وليسوا عربًا، ونسي الجميع أننا مسلمون؛ وحَّد الإسلام بين آبائنا، وصارت هذه هي نسبتنا، وهذا هو شرفنا...

أبى الإسلامَ لا أبًا لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم

ولكن هذا المعنى إذ كان يغيب عن كثير من مثقفي الأمة... فكيف الحال بمشجعي الكرة، ومدمني الإنترنت؟!.

ولا شك أن الصحف الإسرائيلية قد دخلت اللعبة بخبث حين هنأت الشعب المصري على الفوز في مباراة القاهرة؛ لتلتقط بعض الصحف الجزائرية الخيط، وتبرز المباراة مع مصر، وكأنها مباراة مع إسرائيل، آسف أقصد معركة مع إسرائيل إذ لو كانت المباراة مع إسرائيل لما بلغت حدة التوتر فيها هذا المبلغ!!

كما فعلت "السفيرة الأمريكية" نفس الفعلة؛ لمّا تمنت الفوز لـ"لمنتخب المصري" في المباراة الفاصلة، في ذات الوقت التي أشارت فيه بعض التقارير الصحفية إلى مسئولية المخابرات الفرنسية عن الأخبار المكذوبة عن وجود قتلى بين صفوف المشجعين الجزائريين في مباراة القاهرة.

إن الاحتلال الذي تقاسم بلاد المسلمين قديمًا يريد التأكيد على هذا التقسيم.

إن المطلوب أن يرتمي "الشباب المصري" الهائم بالكرة في "أحضان أمريكا" التي تمنت الفوز لمصر، وأن يرتمي "الشباب الجزائري" في "أحضان فرنسا" التي ما زالت تعتبر انتصار الجزائر انتصارًا لها.

إذن نحن أمام "داحس" و"غبراء" جديدين، -بل إن سباق الخيل الجاهلي كان له بعض النفع في الاستعداد للحرب-، وأمام شباب موتور تحركه وسائل إعلام باحثة عن الربح بأي وسيلة، يقال لمشجعي كل فريق: -"في الجزائر يطلقون عليهم لقب: أنصار الفريق القومي"- أن يعيقوا لعب الحصان الآخر "أقصد الفريق الآخر"، واللعب الآن على المكشوف، والحيلة تصورها كاميرات التلفزيون، وبالتالي فإعلان الحرب من قبل الفريق المعتدى عليه يكون فوريًا، وعقب إطلاق صافرة النهاية.

أمة الإسلام أداحس وغبراء... وقد أكرمكم الله بالإسلام؟!

أما آن لشبابنا أن يفيق من غفلته؟!

أما آن لمصلحينا أن يقفوا وقفة أمام هذا العبث؟!

أما آن لعلمائنا ألا تأخذهم في الله لومة لائم؛ فيفتوا بحرمة مسابقات الكرة على هذه الصورة المتضمنة لمحرمات عدة: أولها التعصب.

إن المسابقة على الكرة التي لها جوائز. غير جائزة... حتى ولو لم تكن الجوائز مقدمة من اللاعبين؛ لأنها مسابقة في غير ما أذِن الشرع بالمسابقة فيه؛ كما دل عليه قوله -صلى الله عليه وسلم: (لاَ سَبْقَ إِلاَّ فِي خُفٍّ أَوْ فِي حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) , وقاس عليه بعض العلماء كل ما يعين على الجهاد، وألحق به بعضهم ما يعين على طلب العلم.

وإنما أبيحت المسابقة بعوض من غير المتسابقين، أو من أحدهم مع وجود محلل على تفاصيل مذكورة في موضعها في هذه الأمور للمصلحة الراجحة، وأما فيما سوى ذلك فتبقى المفاسد.

إن المفسدة الرئيسية للقمار: تنبع من أنه في نهاية اللعبة لابد من فائز وخاسر، ولا بد أن يكون أحد الطرفين في قمة فرحه؛ بينما الآخر في قمة حزنه، وهذا مما يكون له مدخل للشيطان لإدخال العداوة والبغضاء؛ بخلاف البيع والشراء مثلاً؛ فإنه يمكن متى التزم بالشرع أن ينصرف كل طرف وهو راض عن نصيبه من الصفقة؛ ولذلك قال -تعالى-: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (المائدة:91) .

وإنما أباح الشرع المسابقة بعوض لما ترجحت مصلحته، وهو ما يعين على القتال، وبشرط وجود متسابقين لم يدفعوا، والملاحظ أن المسابقة في: ركوب الخيل، والإبل، والرمي، مسابقات متى الُتزم بها بالضوابط الشرعية غالبًا ما يفوز بها الأجدر بالفعل، بخلاف أمور اللعب التي هي بمقتضى الاسم فيها نسبة كبيرة من الحظ، ولا يمكن لطرف أن يفوز إلا بإعاقة الآخر؛ بحيث تشتمل اللعبة على دفاع وهجوم، وهذا ما يجعل كل فريق أكثر ندمًا وحسرة على ما فاته من فرص ضائعة؛ ومما يوجد مدخلا للشيطان في تعدي البعض في طريقة إعاقة منافسه.

فالمسابقة بعوض في هذه الألعاب الرياضية غير جائزة، وإنفاق أموال المسلمين فيها من التبذير والإسراف المنهي عنه، والتحريش بين المسلمين بسببها من الكبائر، والإصرار على الاستمرار في مسابقة مع ما تنطوي عليه من المخاطرة بأرواح مسلمين جرم عظيم.

ويكفي أن نعلم أن الله أمر رسوله -صلى الله عليه وسلم- عام الحديبية أن يرجع، ولا يعتمر مع قدرته على دخول مكة عنوة، وهو أمر استعصى على صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معرفة الحكمة منه وقتها؛ فأنزل الله بيانها في قوله: (وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ...) (الفتح:25) ، ثم قال مبينـًا أن هذا هو السبب الذي من أجله أمر الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- بإمضاء الصلح: (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (الفتح:25) .

إن "العار" و"الشنار" الذي لحقنا من جرَّاء انتساب هؤلاء "الإعلاميين" إلى الأمة، ومن جرَّاء وجود هذا الشباب الأعمى بين صفوفها، ومن جرَّاء التضحية بدماء المسلمين في: "مصر، والجزائر" من أجل مباراة كرة؛ ليذكرنا بقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله".

فيا قومنا عودوا إلى الإسلام ووحدته..

واحملوا همّ دعوته...

وذروا اللهو والعبث -وعلى رأسه مباريات الكرة-.

وهذه صيحة حسرة وألم أطلقها الشاعر "فاروق جويدة" على تلك اللوثة التي أصابت المسلمين هنا وهناك، نقتطف منها قوله:

لقد جمعتنا دماء القلوب فكيف افترقنا بهزل القدم؟!

وقوله:

هنا جمعتنا دماء الرجال فهل فرقتنا غناوي اللعب؟!

وقوله:

ينام الصغير على نار حقد فمن أرضع الصغير هذي الكبائر؟!

ومن علم الشعب أن الحروب كرات تطير وشعب يقامر؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية