شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

معارك أخرى على هامش معركة النقاب

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد اندلعت حرب النقاب، وما زالت رحاها دائرة حتى الآن، ولأن أمور الشرع مترابطة، وقضاياه متداخلة، ولأن خطط الأعداء متشعبة، وحفائرها عميقة؛ فقد توسعت حرب النقاب لتشمل كثيرًا من القضايا الأصولية، والتشريعية، والواقعية نجملها على وجه الاختصار في هذا المقال، فأول هذه الحروب:

حرب الحجاب:

نعم لم تقتصر الحرب على النقاب، وإن كان البعض من المنتسبين إلى العلم ممن يرون النقاب غـُلوّا قد قصروا حربهم عليه؛ فإن الكثير من الصحف، والمجلات العلمانية قد رأوا الفرصة سانحة لكي يبثوا سمومهم حول الحجاب ذاته، محاولين زعزعة العقيدة الراسخة حتى لدى المتبرجات أنفسهن في وجوب الحجاب.

وهذا يقتضي وقفتين:

الأولى: من عموم الدعاة والمصلحين، -لا سيما الذين لم ينفعلوا مع الأزمة بالشكل الكافي- أن يتحركوا قبل فوات الأوان، وأن يعلموا أن قائمة التنازلات في قضية المرأة أولها النقاب، وقد لا يكون لباس البحر هو آخرها!

الثانية: من هؤلاء المشايخ الرافضين للنقاب أن يسارعوا بالتبرؤ ممن ركب الموجة، وهاجم الحجاب، وأظن أنه مهما بلغ من وهمهم في اعتبار النقاب غـُلوًا فلن يبلغ في الخطورة مبلغ إنكار المعلوم من الدين بالضرورة: كـ"الحجاب" من حيث المبدأ، فليشاركوا مع عموم الأمة في التصدي للحملة المسعورة ضد الحجاب، بدلاً من أن يكونوا مشاركين فيها من حيث لا يعلمون.

طائفة القرآنيين:

من المفارقات العجيبة أن منكري حجية السنة من القرآنيين ومن شابههم؛ لم يلجأوا إلى إنكار حجية السنة إلا فرارًا من الأحكام التفصيلية التي في السنة؛ لتبقى نصوص القرآن مجملة فيؤولونها وفق آرائهم وأهوائهم، ولكنهم متى وجدوا في السنة ما يشهد لبعض آرائهم أتوا إليه مذعنين، بل ربما اعتمدوا على غير الثابت، بل الموضوع من السنة.

وهذا ينطبق على كل أعداء السنة عبر التاريخ من: "المعتزلة القدماء" ومن "المعتزلة الجدد"، ومن المفارقات أن يطعن المعتزلة في أحاديث "البخاري" و"مسلم" التي لا تروق لهم؛ لشبهات عقلية سقيمة لو ردوها إلى عالمها لوجدوا لها جوابًا، ثم يستدلون بأحاديث موضوعة في شأن العقل!!.

وفي قضية الحجاب وجد أعداء السنة أنفسهم في حرج...، فظاهر القرآن وجوب ستر الوجه، وهذا ما يفسر ميل معظم المفسرين إلى القول بوجوبه، وأدلة استثناء الوجه عند القائلين باستثنائه هي من السنة.

ذلك أن القرآن قال: ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) (النور:31) ، فنسب إبداء الزينة المنهي عنه إلى النساء، وعند الاستثناء لم يقل: إلا ما أظهرن، ولكن قال: (إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) ، فدل بدلالة الوضع اللغوي على أنه إلا ما ظهر من تلقاء نفسه كما فسره بذلك "ابن عطية"، وأقره "القرطبي" على ذلك، ثم تعقبه بأن السنة ألحقت الوجه والكفين بما (ظَهَرَ) ؛ لكثرة الحاجة إلى "إظهارهما"، واستدل على ذلك بحديث أسماء -رضي الله عنها: (يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، ونقل عنهما هذه المساجلة الشيخ "سيد طنطاوي" في تفسيره "الوسيط"!

كما قال -تعالى-: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ) (الأحزاب:59) ، فأمر النساء بالإدناء (عَلَيْهِنَّ) ، وهذا يشمل إدناء الثوب على بدن المرأة من أعلى إلى أسفل بلا استثناء كما ذكر نحوه أيضًا الشيخ "طنطاوي" في تفسيره!

وقال -تعالى-: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنّ) (النور:31) ، والخمار: غطاء الرأس، والجيب: فتحة الصدر، وإذا ضرب الخمار من الرأس إلى فتحة الجيب ستر الوجه حتمًا.

ولا يُعترض على هذا بأن العرف جرى على إحداث فتحة في الخمار تبرز الوجه؛ فإنما فعل ذلك بناء على مذهب من يرى جواز كشف الوجه، أو فعل تيسيرًا للبسه على أن يُغطى بالنقاب، وهذه الصورة لا يرتضيها بعض القائلين بوجوب ستر الوجه، ويرون لزوم إدناء الجلباب كما أمر الله، وبالتالي يحرِّمون النقاب بهذا الاصطلاح، وقد عمد بعض المغرضين إلى كلام هؤلاء العلماء فرَوَّجه على أنه تحريم لستر الوجه، والواقع أن هؤلاء العلماء يرون وجوب ستر الوجه بالجلباب تحديدًا؛ فهم من أشد القائلين بجوب ستر الوجه.

ومن ثمَّ فقد فر "القرآنيون" في هذه المسالة إلى السنة مستدلين بحديث أسماء، وحديث الفضل بن عباس -رضي الله عنهم-، وبعيدًا عن الخلاف الفقهي في المسألة: كم نتمنى أن يثبت هؤلاء عند تعظيم السنة، والاحتكام إليها!.

ولكن أحد رؤوس "حرب النقاب" والذي جعل من أهم أولوياته تحويل النقاب من "عبادة" إلى "عادة"، والذي يطبع الكتب بمئات الآلاف في ذلك ما زال لا يدري حجج الفريقين؛ فخرج بتصريح يقول فيه: "بيننا وبينهم كتاب الله"!! ولكنه لم ينتبه إلى أن الاحتكام إلى القرآن هنا دون السنة يجعل ستر الوجه واجبًا قولاً واحدًا.

والجدير بالذكر: أن المتمسكين بالوجوب من أهل العلم رأوا أن الأدلة التي استدل بها القائلون بالاستحباب لا تنتهض لتخصيص القرآن؛ لأن صحيحها غير صريح: كـ"حديث الفضل"، وصريحها غير صحيح: كـ"حديث أسماء"، وأما من صحح حديث أسماء فقطع بالاستحباب، منهم -من المعاصرين-: "الشيخ الألباني" -رحمه الله-.

"العادة" و"العبادة":

وهذه حرب أخرى من الحروب الحاضرة في حرب النقاب... فإن الحرب دائرة؛ لنزع صفة العبادة عن الحجاب، وإدخاله في باب العادات!!.

لماذا... ؟؟!!

لقد حاول الخصوم إخراج النقاب من عِداد الواجبات إلى عِداد المستحبات -وهو قول يقول به بعض أهل العلم-؛ أملاً في أن يدفع ذلك المنتقبات -لا سيما إذا تزامن ذلك مع التضييق عليهن في معظم الدوائر- إلى التراجع عنه، ولكنه ازداد انتشارًا -بحمد الله-، فما كان منهم إلا أن ادّعوا: أنه "عادة لا عبادة"؛ لأن زحزحة العادات باستخدام سلاح التضييق أكثر سهولة من زحزحة العبادات، بل ربما زحزحت العادات بعادات أخرى تناسب العصر.

الصفحة التالية