معارك أخرى على هامش معركة النقاب
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
والواقع أن العلمانيين الذين يسمون أنفسهم زورًا بـ"التنويريين"، ومن يستجيب لإرهابهم من المنتسبين إلى العلم: يعانون ضعفـًا شديدًا في التنظير، وفقرًا شديدًا في الكفاءات؛ فيكتفون باستنساخ المعارك الفكرية القديمة التي خاضها أسلافهم، وهم دائمًا ما يحرصون على استنساخ التجربة بكل تفاصيلها.
وقد جاء المتغربون الأوائل، والحجاب فعلاً -فضلاً عن النقاب- مجرد عادة شرقية انفصلت عن مصدرها الإلهي في حس معظم من يرتدينه؛ اللهم إلا فئة قليلة جدًا ممن رحم الله، ومن ثمَّ سهل عليهم انتزاعه، كما أشار إلى ذلك الأستاذ "محمد قطب" -حفظه الله، وعفا عنه-.
ثم خرجت الصحوة الإسلامية المباركة... وعاد معها الحجاب؛ "حجاب العبادة" لا "حجاب العادة"، ومن ثمَّ صمد هذا الحجاب أمام كل الهجمات -بفضل الله تعالى-، مما اضطر الأعداء إلى استخدام هذا "الخطاب الفرعوني" الممتد عبر الأزمان: (إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ . وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ) (الشعراء:53-54) ، وظل الأعداء يرددون: أن الالتزام بالدين -والنقاب من أشد مظاهره- أنه شعار لطائفة محدودة من المتطرفين! أظنهم لولا الحرج لقالوا: "يعدون على أصابع اليد الواحدة"!!
ولكن حدث تطور قلب حسابات العلمانيين، والإسلاميين على حد سواء... حيث اتسع مستوى قبول سماع الخطاب الدعوي الإسلامي بدرجة كبيرة تزامن معها التزام ببعض الأمور التي كانت حتى وقت قريب حكرًا على الإسلاميين، منها: "النقاب"، ووجدت شرائح من المجتمع تلتزم ببعض ما يلتزم به الإسلاميون، ولا تلتزم بالبعض الآخر؛ لعدم الاقتناع، أو لعدم وجود العزيمة الكافية.
وذلك ما رصدته إحدى تلك المجلات المحاربة للنقاب؛ من أن كثيرًا من المنتقبات حديثـًا: ما زلن يشاهدن التلفاز، ويسمعن الأغاني، وهو ما فسروه على أن النقاب المنتشر الآن هو بالفعل عند أصحابه عادة لا عبادة، وهذا التفسير منهم محاولة لطمأنة النفس، وإلا لو كان الأمر كذلك ما قاموا بكل هذه الجهود؛ لإثبات أنه عادة -لو كان هو بالفعل كذلك عند من تفعله-!.
والتوصيف الصحيح للأمر: أنه عند بعض المنتقبات الجدد عبادة عرفنها، واستطعن مع شيوعها مقاومة شياطين الإنس والجن في الالتزام بها. في ذات الوقت الذي توجد فيه عدد من المخالفات في سلوك صاحبته لم تبلغ عزيمتها بعد للدرجة التي تتغلب بها عليها، وهو ما أغرى هؤلاء بعمل هذه الحملة؛ لأن من كانت عزيمتها كذلك لو اقتنعت بأنه عادة لا يمكنها أن تثبت ولو قليلاً.
إن المعركة الآن في إثبات أن النقاب عبادة، وفي أن يبقى هذا المعنى ماثلاً في ذهن من ترتديه بحيث لا يتحول من جرَّاء تلك الحملات -وبفعل العادة والإلف لا سيما إذا كان مقترنـًا بمخالفات شرعية أخرى- إلى عادة؛ لأنه متى تحول إلى عادة سهل القضاء عليه، ومتى قضي عليه فسوف يستمر الأمر من سيء إلى أسوأ -نسأل الله العافية-.
الأغلبية الصامتة:
وهذه الحرب هي مظهر من مظاهر الحالة الفكرية في مصر منذ "عهد التغريب" الذي يسمونه بـ"عصر النهضة" إلى يومنا هذا "أقلية إسلامية"، و"أقلية علمانية" تتنازع على "أغلبية صامتة"، وكان هذا هو التوصيف يوم أن كان الإعلام إعلامًا مغلقـًا؛ فلما اتسعت الدنيا، وفُتِح الإعلام، مع أن ما يملكه الإسلاميون منه لا يبلغ عشر معشار ما يملكه العلمانيون، ومع أن العلمانيين يستخدمون سلاح الشهوات، والإسلاميون يسبحون ضد تيار الشهوات؛ إلا أن المحصلة تقول: إن الأغلبية ليست صامتة، وأنها مع الدعوة إلى الإسلام، والعمل بالإسلام، وأن من أجَّل منهم العمل بشيء من التشريعات الإسلامية؛ فإنه يتمنى أن يأتيَ اليوم الذي يزاح فيه "كابوس التغريبيين" الذين يجعلون من هذه المخالفات أمرًا واقعًا، فيصعب على كثير من المسلمين مقاومته.
فينبغي على الإسلاميين أن يدركوا خطورة المعركة، وأن يقدروا لها قدرها، وأن يصبروا على صور الالتزام المنقوص التي تتنامى في المجتمع شيئًا فشيئًا حتى لا يُترك الناس فريسة لـ"ذئاب العلمانية" ، ولا نعني بهذا اتباع منهج: "الفتوى بالرخص" التي ليس عليها دليل، كما يلجأ إلى ذلك بعض الدعاة، بل ها هو الواقع يثبت أن الصبر على بيان الحق بالدليل، مع الصبر والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ يؤتي أكله بعد حين -بإذن الله-.
فقه الأولويات:
من المسائل التي أخذت حظـًا كبيرًا من الأخذ والرد بين الإسلاميين ما اصطُلِح على تسميته بـ"فقه الأولويات"، ورغم الاتفاق النظري على القاعدة: "إذا تعارضت مصلحتان قدمت أولاهما وإذا تعارضت مفسدتان دفعت أكبرهما"؛ إلا أن الخلاف بيننا، وبين إخواننا في الاتجاهات الأخرى لا سيما "الإخوان المسلمون" كان حول التوسع في مفهوم التعارض؛ فكانوا يرون مجرد وجود أزمات في المسجد الأقصى كافٍ للنهي والزجر عن تعلم العلم وتعليمه! وربما تأثروا في ذلك بالشيخ الغزالي -رحمه الله- الذي بالغ في هذا الأمر حتى سمى من ينشغل بتعلم الفقه بـ"فقهاء الطهارة، والحيض، والنفاس"!! وكأن الفقه ليس فيه إلا هذه الأبواب مع أهميتها.
وها هي الأمة تخوض معارك كثيرة، منها: فقهي احتاج فيه آحاد الدعاة إلى "فقه الحجاب" و"فقه الربا"، بل و"فقه الحيض والنفاس" نفسه؛ ليس للتعبد لله بأحكامهما فحسب -وهو واجب كما أسلفنا- بل للدفاع عن الإسلام.