شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

معارك أخرى على هامش معركة النقاب

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

فمن الشبهات التي يثيرها دعاة التنصير: الطعن على النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه كان يباشر عائشة -رضي الله عنها- وهي حائض مخالفة للأمر القرآني: (فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ) (البقرة:222) ، زاعمين أن المباشرة هنا بمعنى الجماع، وهو أمر لا يُحسِن جوابه إلا من درس: "فقه الحيض، والنفاس"؛ حتى يعلم أن هذه مباشرة بدون جماع، كما دلت على ذلك الأدلة التفصيلية، وحتى يزيد على ذلك أن هذا من وسطية الإسلام، بعيدًا عن غـُلو اليهود الذين يعتقدون نجاسة الحائض؛ فلا يؤاكلونها ولا يشاربونها، وهي أحكام ما زالت مدونة في "العهد القديم"، أي ما زال النصارى إلى اليوم يعتقدون أنها نزلت من عند الله، وإن كانوا يعتقدون أن "بولس" وليس الله، ولا عيسى -عليه السلام- قد نسخها لهم؛ فصاروا لا يتورعون عن إتيان الحائض والنفساء!! والنبي -صلى الله عليه وسلم- إنما بعث بالحنيفية السمحة، وبالوسط بين إفراط اليهود، وتفريط النصارى.

وبالتالي كان من المواقف المحمودة أن تأخذ "جماعة الإخوان" موقفـًا في قضية النقاب رغم أحداث المسجد الأقصى، ورغم الأحداث التي تشهدها الجماعة، ولكن لابد من تسجيل كلمة للتاريخ؛ لأن الأحداث تمضي، والمواقف تنسى فنقول:

إنه وأثناء تعرض المسجد الأقصى لهجمة صهيونية، وتعرض النقاب، بل الحجاب لحملة داخلية انشغل "مكتب الإرشاد" أعلى هيئة في جماعة الإخوان، باختلاف حامي الوطيس تناثرت أخباره في الصحف والفضائيات حول تفسير "لائحة" جماعة الإخوان في أحقية الدكتور "عصام العريان" في التصعيد لمكتب الإرشاد خلفـًا للأستاذ "محمد هلال" -رحمه الله- بصفته حاصل على أعلى الأصوات بعد الحاصلين على عضوية المكتب في الانتخابات الماضية، أم تنتظر الانتخابات القادمة؟!

وهي مسألة تبدو لكل من ينظر إلى الأمور من خارج الصف مسألة "شكلية"، "فرعية"، "هامشية"، "لا تفسد للود قضية"!! لا سيما وأن الانتخابات القادمة لم يبقَ على موعدها إلا شهران ، ومع ذلك اهتم بها مكتب الإرشاد، وناقشها عدة مرات، ولن نعرِّج على ما قالته صحف غير إخوانية حول استقالة المرشد، أو إجباره على الاستقالة، بل ما صدر عن الإخوان وحده كاف في إثبات أن الخطوب الجليلة التي تحيق بالأمة لم تمنعهم من محاولة تطبيق اللائحة حرفيًا، والانشغال بتفسيرها، والأخذ والرد حولها، مع تمسك كل فريق بما رآه "صحيحًا" في تفسير اللائحة، وعدم التنازل عن اجتهاده لاجتهاد غيره -ولو كان المرشد-، وهو ما يستكثرونه في كثير من الأحيان على الدراسات الشرعية مطالبين كل الناس الذين لا يرتبطون معهم بعهد ولا ميثاق، ولا تنظيم: بالتنازل عن مواقفهم واجتهاداتهم، والتي تتبنى في كثير من الأحيان: "الأيسر" من وجهة نظرهم لا "الأصوب"، كما فعلوا مع اللائحة الإخوانية.

بل أعجب من ذلك أن الشيخ "القرضاوي" لم يعبه القرار الذي انتهى إليه المجلس بعدم تصعيد الدكتور "عصام العريان"، فأدلى بتصريحات حادة مما اضطر الدكتور "غزلان" إلى أن يكتب ردًا علنيًا عليه ذكَّره فيه ببعض الأمور الشرعية، ورغم أن الرد اتسم بالأدب الجم، إلا أن كثيرًا من الإخوان كانوا ينتقدون علينا تعقب الشيخ "القرضاوي" بنفس الأدب في قضايا هي أكثر خطورة من قضية تصعيد الدكتور "عصام العريان" بكثير؛ بدعوى أنه لا يرد على "القرضاوي" إلا من كان في علم "القرضاوي"، ويضيفون إليها: وطالما أنه غير موجود، فلا يرد على "القرضاوي" إلا "القرضاوي"، وها هو من يستكثر على نفسه أن يكون تلميذًا لـ"لقرضاوي" يرد عليه.

هذا مع أننا لو كنا نملك أن ننصح ونشير لأشرنا، ونصحنا بتقديم من يسمونه الآن: بـ"التيار المحافظ"؛ لكونه أقرب إلى المنهج الإسلامي الصحيح، بل وأقرب إلى منهج الأستاذ "البنا" نفسه، رغم أن رموز التيار الذي يسمونه: بـ"المنفتح" كان كثيرًا منهم من رموز تيار أشد محافظة في السبعينات، والذي مثلته الجماعة الإسلامية في الجامعات المصرية.

معركة الحرية الشخصية للمنقبات:

لقد كشفت معركة النقاب عن أن العلمانيين رغم تشدقهم بـ"الحرية الشخصية" إلا أنهم عند المحك العملي يتضح أنهم لا يعنون بها إلا حرية مخالفة الشرع كفرًا كان، أو بدعة، أو فسقـًا، وأنهم في سبيل حرب التدين من الممكن أن يكفروا بما "يدندنون" حوله من حريات، ذلك أن كثيرًا من الدعاة يوجِّه خطابه لعموم الأمة بالالتزام بالتكاليف الشرعية شاء الناس أم أبوا، ثم يوجه خطابه لمن يأبى النقاب، أو غيره بأن أصوله القائمة على احترام الحرية الشخصية تقتضي ترك كل إنسان وما يعتقد، إلا إن هذا لا يزيد كثيرًا من العلمانيين إلا عنادًا، و بيان ذلك: أنه ما من فعل ممكن حدوثه من الإنسان إلا وللشرع فيه حكم: إما طلب الفعل، وإما طلب الكف، وإما الإباحة، وطلب الفعل، وطلب الكف كلاهما ينقسم إلى: لازم وغير لازم.

والشرع يلزم ولي الأمر بالدعوة إلى المطلوب فعله، والإلزام باللازم منه، وإيقاع العقوبات المقدرة شرعًا على تاركها فيما فيه عقوبة، كما يُلزمه بالنهي عن المطلوب تركه مع الإلزام باللازم من ذلك، وإيقاع العقوبات الشرعية المقدرة شرعًا فيما شرعت فيه عقوبة.

والنظام العلماني القائم على فصل الدين عن الدولة المسمى تجملاً: بـ"المدني"، لديه أيضًا حكم لكل فعل يمكن أن يصدر من أي مواطن، بين طلب الفعل، أو طلب الكف، أو الإباحة؛ بيد أن الطلب دائمًا ما يكون لازمًا بحُكْم دنيوية العلاقة في النظام العلماني.

ثم إن من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها فلسفة الدول المدنية المبالغة في رعاية الحريات عن طريق توسيع دائرة الإباحة، بحيث تنحصر دائرة المحرمات فيما يضر الغير مع ترددهم في منع ما يضر النفس، ولكنهم في ذلك كله لا يعيرون التحريم الديني، -حتى فيما يتعلق بدين الأغلبية- أي أهمية! كما أنهم يضيقون دائرة الوجوب، بحيث تنحصر في علاقة المواطن بدولته دون النظر إلى الواجبات الدينية.

الصفحة السابقة الصفحة التالية