رضيت بالله ربًا
أحمد كمال • من نور الوحيين
والرضا بالله ربًا يتضمن الرضا بألوهيته فمن رضيَ بالله ربًا على الحقيقة لا بمجرد الادعاء؛ فإنه ولا شك لا يرضى بغيره إلهًا، ولأن من معاني الربوبية السيادة، والأمر، والنهي، وحق الطاعة على جميع الخلق فلا يصح في الفِطَرِ السليمة أن يُعبد غير الخالق -سبحانه وتعالى-، قال -تعالى-: ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) (الأعراف:54) ، فالألوهية مرتبطةٌ ارتباطٌ وثيقٌ بالربوبية، فمن خلق هو من يستحق أن يُعبد، وسبحان الله العظيم.
والرضا بالله رباً يعني: ألا يتخذ العبدُ ربًا غير الله -تعالى- يسكنُ إلى تدبيره ويُنزِلُ به حوائجه، وأن يُفرِدَه بالتوكل عليه والاستعانة به والثقة به والاعتماد عليه، وأن يكون راضيًا بكل ما يفعل به، قال -تعالى-: ( قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ) (الأنعام:164) ، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "يعني سيدًا وإلهًا فكيف أطلب ربًا غيره وهو رب كل شيء؟!
ولقد كان هذا هو حال النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ كان من دعائه قوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: ( اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجَلاَءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي. إِلاَّ أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجاً ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (وبالإسلام ديناً):
أي: رضيتُ بالإسلام ديناً أدينُ به لله -تعالى- فلم أسلك في غير طريقه، والإسلام هو دين الله الذي جاء به كل الأنبياء والرسل، ومنهم خاتم النبيين محمد بن عبد الله بن عبد المطلب النبي الهاشمي الأمي -صلى الله عليه وسلم-، وهو الدين الذي لا يقبل الله من أحد مهما كان غيره، قال الله -تعالى-: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (آل عمران:85) .
فمنذ أن خلق الله آدم -عليه السلام- لم يشرع للناس ولم يرض لهم دينـًا غير الإسلام؛ قال -تعالى-: ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ ) (آل عمران:19) .
والإسلام هو دين كل الأنبياء والرسل؛ قال -تعالى-: ( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (آل عمران: 67) ، وقال -تعالى- في إبراهيم ويعقوب وأبناءه -عليهم السلام-: ( وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) (البقرة:132) .
وقال -تعالى- حاكياً عن سليمان -عليه السلام- قوله: ( وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ) (النمل:42) ، وقال عن يوسف -عليه السلام-: ( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) (يوسف:101) ، وقال عن موسى -عليه السلام-: ( وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ) (يونس:84) .
فالإسلام هو دين الله الذي ارتضاه لجميع خلقه، وأمرهم أن يرضوه لأنفسهم؛ قال -تعالى-: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ) (المائدة:3) .
يقول ابن كثير -رحمه الله-: "أي فارضوه أنتم لأنفسكم؛ فإنه الدين الذي رضيه الله وأحبه، وبعث به أفضل رسله الكرام، وأنزل به أشرف كتبه".
والإسلام هو الطاعة والاستسلام لله -تعالى- بفعل ما يأمر به وترك ما ينهى عنه، فإذا قال أو حكم أو أمر أو نهي رضيَ العبدُ المؤمنُ كلَّ الرضا، ولم يبق في قلبه من حكمه حرج، وسلَّم له تسليمًا تامًا كالميت بين يدي المُغَسِّل يفعل فيه ما يشاء، ولو كان ذلك مخالفـًا لمراد نفسه أو هواها؛ قال -تعالى-: ( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (النور:51) ، فهذا هو حال المؤمن الصادق الراضي بدين الإسلام، يلتزم بشرع الله -تعالى- ودينه؛ فهو عبدٌ لله -تعالى- يرضى ما ارتضاه له، وينتهي عما نهاه عنه.
وقوله -صلى الله عليه وسلم- وبمحمدٍ -صلَّى الله عليه وسلَّم- نبيًا:
أي: رضيت بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- نبيًا ورسولاً، وهذا الرضا يتضمن كمال الانقياد، والطاعة، والتسليم المطلق إليه -صلى الله عليه وسلم- فلا يتلق الهدى إلا من مواقع كلماته ولا يُحاكِم إلا إليه ولا يُحكِّم عليه غيره، ولا يرضى بحكم غيره ألبته مهما كان لا في شيءٍ من أسماء الله وصفاته وأفعاله، ولا في شيءٍ من حقائق الإيمان ومقاماته، ولا في شيءٍ من أحكام الدين ظاهرةً وباطنةً، لا يرضى في ذلك كله إلا بحكمه -صلى الله عليه وسلم-.
فهذا من تمام الرضا بالرسول -صلى الله عليه وسلم- كما قال -تعالى-: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء:65) .