رضيت بالله ربًا
أحمد كمال • من نور الوحيين
قال ابن كثير -رحمه الله-: "يقسم -تعالى- بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يُحَكِّم الرسولَ -صلى الله عليه وسلم- في جميع الأمور فما حكم به، فهو الحق الذي يجب اتِّباعه والانقياد له باطنـًا وظاهرًا؛ ولهذا قال -عز وجل-: ( ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا )، أي: إذا حَكَّمُوكَ يُطيعُونَكَ في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به، وينقادون في الظاهر والباطن فَيُسَلِِّمُون لذلك تسيلمًا كليًا من غير ممانعةٍ ولا مدافعةٍ ولا منازعةٍ.
ومن تمام الرضا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- طاعته فيما أمر ومتابعته فيما جاء به وتطبيق سنته، والعمل بشريعته وذلك كله بغير زيادة ولا نقصان، فلقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ ) (متفق عليه) ، أي: مردود باطل، كما أن اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- سبب لدخول الجنة؛ يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّ أُمَّتِيِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، إِلاَّ مَنْ أَبَى. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى ) (رواه البخاري) .
أما من حاله الرفض والإباء وعدم الرضا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- كاليهود، والنصارى، وجميع المشركين فهؤلاء من أهل النار والعياذ بالله، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يهوديٌ وَلاَ نصرانيٌ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ) (رواه مسلم) .
وقوله -صلى الله عليه وسلم- (كان حقًاً على الله أن يُرضِيَه يوم القيامة):
يعني أن من قال: رضيتُ بالله ربًا وبالإسلام دينـًا، وبمحمدٍ نبيًا، كان واجبًا أوجبه الله على نفسه أن يُرضِي هذا القائل لهذه المذكورات بلسانه وقلبه يوم القيامة، ورضا الله -تعالى- هو أعظم ما يتمناه المؤمن من ربه، فرضا الله عن العبد فيه نجاته من النار وفوزه بالجنة، فمن رضيَ الله عنه أفلح وأنجح، ومن سخط عليه ربُّه خاب وخسر -والعياذ بالله-.
ولقد كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- في الوتر: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ ) (رواه مسلم) ، وما أجمل هذه اللفتة من موسى -عليه السلام- إذ يقول له ربه: ( وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى ) (طه:83) ، فيجيب -صلى الله عليه وسلم- قائلاً: ( هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ) (طه:84) ، فاللهم ارضى عنَّا آمين.
ورضا الله -عز وجل- عن العبد فيه الفوز بالجنة والنجاة من النار، قال -تعالى-: (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (المائدة:119) ، كما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر بأن قائل هذا الذكر تُغفرُ له ذنوبُه؛ فعن سعد بن أبي وقَّاصٍ -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ ) (رواه مسلم) .
فالفوز بالجنَّة والنجاة من النَّار ومغفرة الذنوب هو مما يفوز به العبد حينما يرضى عنه ربه؛ أما الفوز الأكبر فهو رضا الله -عز وجل- ذاته فهو أكبر من الجنة، وهو الفوز العظيم؛ قال -تعالى-: ( وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (التوبة:72) .
يقول ابن كثير -رحمه الله-: "أي: رضا الله عنهم أكبر وأجل وأعظم مما هم فيه من النعيم"، وهذا ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- بعينه، فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ. فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لاَ نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟! فَيَقُولُ: أَلاَ أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟! فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ وأي شيء أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟! فَيَقُولُ أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رضواني فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا ) (متفق عليه) .
وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ يقولُ اللهُ هل تشتهون شيئًا فأزيدكم فيقولون ربنا وما فوق ما أعطيتنا فيقولُ رضواني أكبرُ ) (رواه الطبراني والحاكم، وصححه الألباني) ، فيا رب ارض عنا رضًا نستغني به عن رضا من سواك.
وصلِّ اللهم وسلِّم على محمدٍ وعلى آله وصحبه والتابعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.