شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

هكذا يكون البر

عبد المعطي عبد الغني • المرأة والأسرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد أوصى الله بالوالدين، وحثَّ على برهما والإحسان إليهما، فانبرى الأنبياء والمرسلون، والأولياء الصالحون يتنافسون في البر؛ فضربوا للبشرية أروع الأمثلة، ونصبوا لهم في الإحسان أرفع الألوية، فأدهشوا العقول، وحيروا الأفهام حتى أنك لتظنه ضربًا من الخيال، وما هو كذلك، بل هو واقع شهدته الحياة.

وسوف أتركك مع بعض النماذج الواقعية من حياة سلفنا الصالح في البر، عسى أن تحرك العزائم، وتبعث الهمم، وتدفع الخلـَّف للاقتداء بالسلف:

1- سيدنا إبراهيم -عليه السلام- يدعو أباه إلى توحيد الله -تعالى- فيأبى عليه، فيترفق به أي ترفق، ويخاطبه خطاب الحليم: ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا . إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا . يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا . يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا . يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ) (مريم:41-45) .

لكن أباه لم يسمع نداء العقل والحكمة، ولم يؤثر فيه خوف ابنه البار عليه، فاندفع يهدد، ويرعد ويزبد: ( أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ) (مريم:46) .

فكيف قابل إبراهيم -عليه السلام- ذلك؟ قابله بلطف وحلم، ما سفَّه عقله، وما رفع عليه صوته، وإنما بحلم من له رجاء يؤمله قال: ( سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ) (مريم:47) .

فأين حلم شبابنا مع آبائنا وأمهاتنا إذا خالفونا في رأي؟!

أين حلم شبابنا مع آبائنا وأمهاتنا إذا تأبوا علينا؟!

هل سندعو لهم كما دعا؟ هل سنطلب لهم العفو كما طلب؟! أم سترفع الأصوات بكلمات جاهلية تسفه الأحلام، وتجحد المعروف، وتنسبهم إلى قلة العقل والتخريف؟

2- البار يجني ثمرة بره، فالجزاء من جنس العمل، ومن برَّ؛ بـُرَّ، وكما تدين؛ تدان، لقد رزق إبراهيم -عليه السلام- على كبر، فلما بلغ معه السعي، واحتاج إليه؛ ليستند -وقد انحنى ظهره- إليه، ابتلي فيه، رأى في المنام أنه يذبحه، فعرض الأمر عليه: ( يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ) (الصافات:102) ، فبم أجاب إسماعيل -عليه السلام- والده؟ قال: ( قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) (الصافات:102) .

أي طاعة هذه؟! وأي بر هذا؟!

وأين نحن مما يطلب منا آباؤنا وأمهاتنا مما هو أقل من الذبح بكثير؟

3- عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوُا الْمَبِيتَ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ فَقَالُوا: إِنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمُ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لاَ أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلاً وَلاَ مَالاً، فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا، فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلاً أَوْ مَالاً، فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لاَ يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ ) (متفق عليه) .

4- قال رجل لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "إن لي أمًّا بلغ منها الكبر أنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري لها مطية، فهل أديت حقها؟ فقال عمر: لا؛ لأنها كانت تصنع بك ذلك وهي تتمنى بقاءك، وأنت تصنعه وتتمنى قراقها". الله أكبر! يحمل أمه على ظهره لتقضي حاجتها، ولم يكافئ!

5- حدث أبو بردة بن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-: أنه شهد ابن عمر -رضي الله عنهما- رأى رجلاً يمانيًّا يطوف بالبيت، يحمل أمه على ظهره يقول مرتجزًا:

إنـي لها بـعـيرها المذلل إن أذعــرت ركــابـهـا لـم أذعـر

الله ربـي ذو الجـلال الأكـبـر

حملتـُها أكثر مما حملت فهل ترى جازيتها يا ابن عمر؟

ثم قال: يا ابن عمر: أتراني جازيتها؟ قال له: "لا، ولا بزفرة واحدة".

الصفحة التالية