شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

هكذا يكون البر

عبد المعطي عبد الغني • المرأة والأسرة

6- أما برُّ أبي هريرة -رضي الله عنه- بأمه فمضرب الأمثال؛ فقد حدث أبو كثير السحيمي قال: حدثني أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: "كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلاَمِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَا أَكْرَهُ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَأَنَا أَبْكِي قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلاَمِ فَتَأْبَى عَلَيَّ فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِىَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ ). فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ نَبِيِّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَلَمَّا جِئْتُ فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ فَإِذَا هُوَ مُجَافٌ فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ فَقَالَتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ. وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ قَالَ: فَاغْتَسَلَتْ وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا فَفَتَحَتِ الْبَابَ ثُمَّ قَالَتْ: "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ" قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَتَيْتُهُ وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ -قَالَ- قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْشِرْ قَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَكَ وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ. فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ خَيْرًا -قَالَ- قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي أَنَا وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا -قَالَ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا –يَعْنِي: أَبَا هُرَيْرَةَ- وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْمُؤْمِنِينَ ) (رواه مسلم) .

ويروى عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه كان يشتد به الألم من الجوع، فيخرج من بيته إلى المسجد لا يخرجه إلا الجوع، فيجد نفرًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيقولون: يا أبا هريرة، ما أخرجك هذه الساعة؟ فقلت: ما أخرجني إلا الجوع، فقالوا: نحن والله ما أخرجنا إلا الجوع، فقمنا فدخلنا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: " ما جاء بكم هذه الساعة "؟ فقلنا: يا رسول الله، جاء بنا الجوع، قال: فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بطبق فيه تمر، فأعطى كل رجل منا تمرتين، فقال: ( كلوا هاتين التمرتين، واشربوا عليهما من الماء، فإنهما ستجزيانكم يومكم هذا ). قال أبو هريرة: فأكلت تمرة، وجعلت تمرة في حجرتي فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( يا أبا هريرة، لم رفعت هذه التمرة؟ ) فقلت: رفعتها لأمي، فقال: ( كلها، فإنا سنعطيك لها تمرتين )، فأكلتها فأعطاني لها تمرتين. (أخرجه ابن سعد في "الطبقات") .

7- عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَسْتَخْلِفُهُ مَرْوَانُ، وَكَانَ يَكُونُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَكَانَتْ أُمُّهُ فِي بَيْتٍ وَهُوَ فِي آخَرَ. قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ وَقَفَ عَلَى بَابِهَا فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكِ يَا أُمَّتَاهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَتَقُولُ: وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ يَا بُنَيَّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَيَقُولُ: رَحِمَكِ اللَّهُ كَمَا رَبَّيْتِنِي صَغِيرًا، فَتَقُولُ : رَحِمَكَ اللَّهُ كَمَا بَرَرْتَنِي كَبِيرًا، ثُمَّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ صَنَعَ مِثْلَهُ. (رواه البخاري في "الأدب المفرد"، وحسنه الألباني) .

8- عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ سَأَلَهُمْ: "أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟!" حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ فَقَالَ: "أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ" قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلاَّ مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: ( يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ ابْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلاَّ مَوْضِعَ دِرْهَمٍ لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا، بَرٌّ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ؛ لأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ؛ فَافْعَلْ ). فَاسْتَغْفِرْ لِي. فَاسْتَغْفَرَ لَهُ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْكُوفَةَ. قَالَ: أَلاَ أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا قَالَ أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَىَّ. (رواه مسلم) .

9- قيل: "إن محمد بن سيرين كان يكلم أمه كما يكلم الأمير الذي لا يـُنتصف منه"، وعن بعض آل سيرين قال: "ما رأيت محمد بن سيرين يكلم أمه قط إلا وهو يتضرع"! وعن ابن عون قال: "دخل رجل على محمد بن سيرين وهو عند أمه، فقال: ما شأن محمد أيشتكي شيئًا؟ قالوا: لا، ولكن هكذا يكون إذا كان عند أمه"!!

10- قال أبو يوسف -صاحب أبي حنيفة-: "كان أبو حنيفة يحمل والدته على حماره إلى مجلس عمر بن ذر كراهية أن يرد قولها"، وقال أبو حنيفة: "ربما ذهبت بها إلى مجلسه، وربما أمرتني أن أذهب إليه، وأسأله عن مسألة، فآتيه وأذكرها له وأقول له: إن أمي أمرتني أن أسألك عنها فيقول: وأنت تسألني عن هذا؟ فأقول: هي أمرتني فيقول: قل لي كيف -يعني: الجواب- حتى أخبرك؟ فأخبره بالجواب ثم يخبرني به فآتيها، وأخبرها عنه بما قال"!

الصفحة السابقة الصفحة التالية