فتاوى ابن تيمية.. ورحلة الفارس المنسي
أحمد يحيى الشيخ • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلا تكاد تخلو مكتبة عالم أو طالب علم مهما صغر أو كبر من كتاب "مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية"، حتى أصبح ذلك الكتاب مَعلمًا مهمًا في التوثق من أقوال شيخ الإسلام "ابن تيمية"، بل لعله صار المرجع الأول في ذلك.
ولا شك أن لمؤلف هذا السفر الجليل حقـًا كبيرًا في أعناق طلبة العلم يتعين عليهم رده بالذكر الحسن، والثناء الجميل، وقبل هذا بالدعاء والاستغفار.
ولا أعني بالمؤلف شيخ الإسلام "ابن تيمية" رحمه الله -الذي كتب تلك الرسائل التي يتألف منها ذلك السفر العظيم- كما يظنه البعض، بل أعني مَنْ جمع الكتاب من ركام المخطوطات، وعانى في فك خطها، وسهر الليالي في ترتيبها.
ذاك الفارس الذي لم يأخذ حقه من المكانة التي أخذ مَنْ دونه أوفر منها، هو الشيخ العلامة الإمام "عبد الرحمن بن قاسم" -قدس الله روحه، وأسبغ عليه من واسع رحماته وأسكنه فسيح جناته-.
ذاك الرجل الذي ربما تعجب إذا علمت أنه من أعيان القرن الماضي فقط، أي أنه قبل قرن من الزمن لم يكن يُعلم كتاب اسمه "مجموع فتاوى ابن تيمية"؛ لأنه لم يكن خرج الكتاب إلى الدنيا بعد، ثم دار الزمان سريعًا، حتى أصبحت شهرة الكتاب تغني عن التعريف به، وفارسه البطل لا تعرفه إلا فئة قليلة من حملة العلم وطلبته، وكثيرون من طلبة العلم لا يعلمون عنه إلا القليل.
وإن من نعم الله -عز وجل- أن قيض للناس من يعرفهم بهذا الإمام الأشم، ومنهم حفيده الشيخ عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن بن قاسم المشهور باسم "عبد الملك القاسم" في كتاب سماه "عبد الرحمن بن قاسم حياته وسيرته ومؤلفاته"، ويحكي فيه كثيرًا عن والده الشيخ "محمد" -رحمه الله-، والذي كان الساعد الأيمن لوالده الشيخ "عبد الرحمن" في جمع شتات كتاب الفتاوى وترتيبها وفهرستها.
الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: المولد، والنشأة:
هو الشيخ الإمام العلامة القدوة: أبو عبد الله عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم من آل عاصم من قحطان.
ولد عام 1312 هـ في بلدة "البير" التي تقع على بعد 120كم شمال الرياض مجاورة لبلدتي ثادق وحريملاء، فنشأ بها، وأخذ مبادئ القراءة والكتابة، وحفظ القرآن مجودًا وهو في سن صغيرة لم يتجاوز التاسعة من عمره.
أخذ العلم عن الشيخ العلامة "عبد الله بن عبد اللطيف"، وتلقى عنه علوم: التوحيد والعقائد، والتفسير، والحديث، والفقه، وغيرها، ولازم الشيخ "عبد الله العنقري" فكان من أخص تلاميذه، كما أخذ عن الفقيه "محمد بن محمود" الفقه والفرائض، ودرس كذلك على الشيخ "سعد بن عتيق"، والشيخ "سليمان بن سمحان" التوحيد والحديث، كما درس على الشيخ "محمد بن فارس" علوم اللغة وغيرها، ودرس أيضًا على الشيخ "عبد الرحمن بن راشد"، والشيخ "محمد بن مانع".
وكان يقول عن الشيخ "محمد بن إبراهيم" -رحمهما الله-: "شيخي" مع أنه كان من أقرانه، لكنه كان يحضر له دروسه لتلاميذه، ومجالس علمه، وقرأ عليه ما جمعه من رسائل علماء نجد وغيرها.
مؤلفاته:
1- مجموع فتاوى شيخ الإسلام "ابن تيمية" 37 مجلدًا، وهو أشهرها على الإطلاق، ولا تخلو منه مكتبة عالم، ولا طالب علم.
2- "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" 16 مجلدًا.
3- "حاشية الروض المربع" 7 مجلدات.
4- "متن أصول الأحكام" مجلد.
5- "شرح أصول الأحكام" 4 مجلدات.
6- "حاشية كتاب التوحيد" مجلد.
7- "حاشية ثلاثة الأصول" مجلد.
8- "حاشية الدرة المضية" مجلد.
9- "السيف المسلول على عابد الرسول" مجلد.
10- "مقدمة في أصول التفسير" مجلد.
11- "حاشية مقدمة التفسير" مجلد.
12- "حاشية مقدمة الرحبية" مجلد.
13- "حاشية الآجرومية" مجلد.
14- "وظائف رمضان" مجلد.
15- "تحريم حلق اللحى" كتيب لطيف.
16- "ملخص الفواكه العديدة في المسائل المفيدة" مجلدين.
17- "كتاب التاريخ" مجلدين.
قالوا عن الشيخ عبد الرحمن بن قاسم:
قال الشيخ "محمد بن إبراهيم" -رحمه الله-: "عجبت من هذا الرجل؛ زرته في مرضه، فوجدت عنده الكتب يقرأ ويُحرر".
قال الشيخ "حمد الجاسر" -رحمه الله-: "وكان -رحمه الله- من أرق من عرفت من العلماء نفسًا، وألطفهم خلقـًا، وأسماهم يدًا".
قال الشيخ "عبد الرحمن البراك" -حفظه الله-: "الشيخ "عبد الرحمن" -رحمه الله- له باع طويل في فنون العلوم الشرعية في: التوحيد، وعلوم القرآن، والحديث، والفقه، والفرائض، والنحو، وله في هذه الفنون مؤلفاته يعول عليها العلماء، وطلاب العلم.
قال الشيخ "بكر أبو زيد" -رحمه الله-: "كان من أوعية العلم، جلدًا في سبيل الطلب، فقيهًا، نسَّابةً مؤرخًا".
قال الشيخ "محمد بن إسماعيل المدني" -رحمه الله-: "رأيت الشيخ "عبد الرحمن بن قاسم" فقيهًا في: "حاشيته على الروض"، ومُحدِثًا في كتابه: "أحكام الأحكام"، وفرضيًا في شرحه على: "الرحبية"، وأصوليًا في: "حاشيته على ثلاثة الأصول"، ونحويًا في: "شرحه للآجرومية"، وكان -رحمه الله- عالمًا، تقيًا، ورعًا، زاهدًا... ".
قال الشيخ "محمد بن عثمان القاضي" -رحمه الله-: "وكان مشايخه معجبين بفرط ذكائه ونبله، وكان كثير المطالعة في كتب الفروع، والأصول، والعربية، لا يسأم منها، وأكب على كتب الشيخين: "ابن تيمية"، "وابن القيم"، فكانت كتبهما صبوحه وغبوقه، وأدرك بسببهما إدراكًا تامًا، وكان قوي الحفظ، سريع الفهم، ذا موهبة وجواب حاضر على البديهة، نبغ في فنون عديدة، حتى صار مثار الإعجاب بين جلسائه".
قال الشيخ "عبد الله البسام" -رحمه الله-: "وكان إلى جانب تضلعه في العلوم الدينية والعقائدية والتاريخية، كان له أيضًا إلمام كبير بالنواحي السياسية والاجتماعية".
رحلة جمع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية:
ذكر الشيخ "عبد الملك القاسم" ما ذكره والده الشيخ "محمد" من رحلته ورحلة والده الشيخ العلامة "عبد الرحمن بن قاسم" في جمع وترتيب فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، حتى خرج إلى هذه الدنيا، وقد بلغ 37 مجلدًا في 18835 صفحة.