فتاوى ابن تيمية.. ورحلة الفارس المنسي
أحمد يحيى الشيخ • السيرة والتاريخ
وقد أمضى الشيخ "عبد الرحمن" وولده "محمد" -رحمهما الله- أكثر من أربعين عامًا في جمعه وترتيبه وطبعه، وقد وجدوا في سبيل ذلك من العناء والمشقة ما يُحتسب أن يكون رفعة لهما، وذخرًا -إن شاء الله-، فقد عانيا من كثرة السفر، والبحث عن المخطوطات، وترك الأهل والأبناء، ومفارقة الأوطان مع قلة الزاد، ثم في قراءة وفك خط شيخ الإسلام؛ حيث إنه -قدس الله روحه- كان سريع الكتابة، وكان خطه في غاية التعليق والإغلاق، وبعضه بدون نقط، ولا تكاد تظهر حروفه، وقد أشكلت على تلميذه "ابن الوردي"، فيدعو تلميذه "أبا عبد الله بن رشيق المغربي" لحله.
وكان إغلاق خط "شيخ الإسلام" مدعاة إلى إهمال كتبه، وعجز الكثيرين عن قراءتها، وفك رموزها، يقول الحافظ "ابن عبد الهادي": "كان كثيرًا ما يقول: كتبت في كذا وكذا، أو يسأل عن الشيء فيقول: قد كتبت في هذا، فلا يدري أين هو؟ فيلتفت إلى أصحابه ويقول: ردوا خطي وأظهروه لينقل، فمن حرصهم عليه لا يردونه، ومن عجزهم لا ينقلونه، فيذهب ولا يعرف اسمه".
وكان لدى الشيخ "محمد بن الشيخ عبد الرحمن" مجموعة من المخطوطات بخط "شيخ الإسلام" -رحمه الله- منها "قاعدة في الاستحسان"، ولم يستطع إدخالها في مجموع الفتاوى؛ لاستغلاق خطها، وبعد حين حلها شيئًا فشيئًا، حتى طبعها ضمن "المستدرك على مجموع الفتاوى".
بداية جمع مجموع الفتاوى:
قال الشيخ "محمد" -رحمه الله- في بدايات الجمع: "عندما جمعنا بعض الفتاوى أخبر الأمير "مساعد عبد الرحمن" الملك "فيصل"، فاستعد لطبعها.
قال -رحمه الله-: لما استقر الأمر أن تطبع في مطابع "الرياض" ذهبت للمطابع، وقابلت الشيخ "حمد الجاسر"، ورفضت توقيع العقد معهم إلا بعد أن يتم توفير "حروف" جديدة للفتاوى، "وكانت طريقة الصف تتم بتجميع الحروف مع بعضها ورصها"، فرفض الشيخ "حمد الجاسر"، وقال: هذه تكفي. قال: فرفضت، وانتهى الأمر إلى حل ذكرته له، وهو أن أذهب لألمانيا؛ لاستجلاب حروف خاصة بالفتاوى فوافق، وذهبت واشتريت الحروف، وما انتهت الفتاوى إلا والحروف قد تآكلت.
وطبعنا ثلاثين مجلدًا، منها عشرون مجلدًا في سنة واحدة في "الرياض"، ثم لما حصل بين وزير المالية والمطابع إشكال؛ قال الأمير "مساعد بن عبد الرحمن": تطبع في مكة.
قال -رحمه الله-: فذهبت إلى مكة، وأتممت خمسة المجلدات هناك من المجلد الثلاثين إلى المجلد الخامس والثلاثين.
قال الشيخ "عبد الله بن جبرين" في رسالته "هذا ما عرفته عن شيخنا عبد الرحمن بن محمد بن قاسم": وفي أثناء عمله في تتبع رسائل أئمة الدعوة، عثر على رسائل كثيرة لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، متفرقة في مواضيع مختلفة، منها ما هو بخط يد الشيخ، ومنها ما قد نسخ، ومنها ما هو مطبوع، فاستشار شيخه "محمد بن إبراهيم" -رحمهما الله تعالى- في جمعها وترتيبها وطبعها، فشجعه الشيخ على ذلك، وفي أثناء بحثه وسهره وتعبه في الجمع والترتيب والتبويب، أصيب من آثار ذلك -بإذن الله- بألم في رأسه تضرر منه، واحتبس عن مواصلة العمل، فأشير عليه أن يبادر إلى العلاج، فسافر إلى "باريس" عاصمة "فرنسا"، وصحبه ابنه محمد، وذلك في آخر عام 1375هـ، وعولج هناك، ونجحت العملية معه، ورجع سالمًا -بحمد الله-، وهناك عثر على بعض المخطوطات القديمة لشيخ الإسلام "ابن تيمية"، فصورها كلها وضمها إلى تلك الموسوعة الكبيرة، وهي مجموعة رسائل شيخ الإسلام "ابن تيمية" -رحمه الله تعالى-.
وقد أدخل في هذه المجموعة كتبًا ورسائل عدة، منها ما سبق طبعه في مصر وغيرها، ومنها مخطوطات كثيرة لم يسبق أن طبعت، وقد لقي في ترتيبها ونسخها عرق القربة، حيث كتب بخط يده الكثير من الرسائل المتفرقة في مجموعة الرسائل الكبرى، والفتاوى المصرية وغيرها، وقد وفقني الله للاشتراك مع أبناء الشيخ في نسخ بعض المخطوطات القديمة والأفلام المصورة، رغم صعوبة النسخ، ثم يتولى الشيخ "محمد بن عبد الرحمن" -رحمه الله- تصحيحها، ووضعها في المكان الذي حدده أبوه من الأجزاء. وتولى تصحيح الطبع، ومتابعته أبناء الـشيخ، ومعهم بعض الطلاب الذين اختاروهم من أهل الفهم، وإدراك المعاني، حتى كملت هذه الموسوعة الكبيرة التي بذل هذا الشيخ فيها جهداً جهيدًا" انتهى .
الرحلة لجمع الفتاوى:
بدأ الشيخ "عبد الرحمن بن قاسم" -رحمه الله- في جمع الفتاوى بعد عام 1340هـ أثناء تفتيشه عن فتاوى علماء نجد، فوجد عند الشيخ "محمد بن عبد اللطيف" -رحمه الله- نحو ثلاثة مجلدات، ثم سافر، وراسل من قدر له الاتصال به في نجد.
ثم فتش في المخطوطات الموجودة "بمكتبة الحرم المكي"، فاستخرج منها عددًا من المسائل.
الشروع في الترتيب:
بعد أن جمع ما تيسر له من المخطوطات أشار عليه الشيخ "محمد بن إبراهيم" بأن يضم الموجود من المخطوطات إلى المطبوعات، ويرتب الجميع على حسب الفنون، وعلى ترتيب أبواب الكتب المتداولة بين العلماء والطلاب؛ لتسهل المراجعة، ولا سيما على من قل إلمامهم بمؤلفات هذا الإمام.
الرحلة الأولى لجمع الفتاوى من الشام والعراق:
يقول الشيخ "محمد بن الشيخ عبد الرحمن" -رحمهما الله-: في سنة 1372هـ سافر الوالد إلى "بيروت" للعلاج؛ ولما استكمل الفحوص الطبية، وأجرى بعض العمليات -التي لم تنجح- توجه إلى "مكتبة بيروت العمومية" -وكان حازمًا-، فقد استصحب ما جمعه سابقـًا من الفتاوى، وفهرسًا خاصًا بها، وكنت معه في سفره، ففتشنا فيها فلم نجد مسائل لشيخ الإسلام، ويذكر أن ما كان فيها من "المخطوطات" قد نقل لإحدى الدول منذ زمن طويل؛ ثم فتش في "مكتبة الجامعة الأمريكية" فلم يجد فيها شيئًا" انتهى.
أمر الشيخ "عبد الرحمن" ولده "محمدًا" بالسفر إلى دمشق؛ لنقل بعض المسائل من المكتبة الظاهرية.