شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتاوى ابن تيمية.. ورحلة الفارس المنسي

أحمد يحيى الشيخ • السيرة والتاريخ

يقول الشيخ "محمد" -رحمه الله-: "وفي وقت اشتغالي بالنقل من كتاب "الكواكب الدراري" كنت أتصفح المجلد فأجد فيه مسائل، ونقولاً عن "شيخ الإسلام" أستغربها، وأستعذبها؛ ولا أعلم وجودها فيما جمع، فأخذت أتابع المطالعة والتصفح لجميع الموجود فيها من "الكواكب الدراري" -وهو بضع وأربعون مجلدًا-، فإذا أنا أفاجأ بالمسائل الكثيرة النفيسة معًا، ففرحت فرحًا عظيمًا بالتوفيق للعثور على هذه الكنوز العلمية، وشجعني ذلك على الاستمرار في التصفح والتفتيش، وربما شككت في فقد بعض المسائل، فأراجع فهرس المسائل التي جمع الوالد، وأضيف ما تجدد إلى ما يشاكله من الفتاوى في الفهرس، واحتفظ بأرقام ما كان موجودًا؛ رجاء أن تتيسر -يومًا ما- مقابلة الموجود على هذه المخطوطات القديمة" انتهى .

ثم تصفح المجاميع وهي تزيد على 150 مجموعة، وبعد إكمال المجاميع تصفح كل كتاب لم يذكر مؤلفه، أو له حاشية؛ فوجد في ذلك عددًا غير قليل من المسائل، ثم فتش "الدشوت" التي في المكتبة فتحصلت على مسائل، ونواقص في بعض المسائل.

وقد كانت مدة التصفح والتفتيش ستة أشهر لما يقارب 900 مجلد من 12000 مجلد مخطوط، ثم سافر الشيخ "محمد" إلى حلب مواصلاً البحث والتنقيب، فوجد في مكتبة الأوقاف مسائل صورها.

ثم بعدما حصل على ما في الشام من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية يمم وجهه شطر العراق فتحصل بعد التفتيش على مسائل في "مكتبة الأوقاف" في بغداد وفيها "الرسالة التدمرية" كاملة بخط "نعمان الألوسي".

يقول -رحمه الله-: "وكنت قد أزمعت السفر إلى البصرة، ثم الكويت، ثم تركيا، لكن صحة الوالد كانت متأخرة جدًا، وقد أقام ثمانية أشهر في بيروت، فاضطررت إلى الرجوع إليه، ثم رجعنا إلى الوطن" انتهى .

الرحلة الثانية إلى القاهرة وباريس:

سافر الشيخ "عبد الرحمن" وولده الشيخ "محمد" -رحمهما الله- إلى القاهرة، وقاما بزيارة "دار الكتب المصرية"، ثم تصفحا ما فيها من المجاميع، وما فيها من "الكواكب الدراري" فتحصلا من الجميع على مجلد متوسط لم يكن موجودًا عندهما.

ثم سافرا إلى "باريس" عن طريق القاهرة؛ لإجراء عملية جراحية للشيخ "عبد الرحمن"، وبعد أن أجريت له عملية، وتماثل للشفاء -بحمد الله- عمدا إلى "مكتبة باريس الوطنية"، فتتبعا ما فيها من الفهارس المطبوعة باللغة العربية للمخطوطات الموجودة في "باريس" و"لندن" و"برلين" و"فيينا"، وبعض فهارس مخطوطات "تركيا" وغيرها، ثم عادا إلى القاهرة مرة أخرى لإكمال بحثهما.

الرحلة الثالثة:

لما أمر الملك "فيصل" بطبع هذه الفتاوى، وأمر أيضًا أن يدفع من المبالغ ما تحتاج إليه هذه المجموعة لتجهيزها للطبع، وما يحتاج إليه من التصحيح، فسافر الشيخ "محمد" -رحمه الله- إلى "بغداد" لشراء "المجلد الرابع من الدرر المضية"، واستنساخ المسائل الموجودة في "مكتبة الأوقاف" وإلى "دمشق" للاتفاق مع نساخ مختصين في نسخ المخطوطات القديمة؛ ليقوموا بنسخ المصورات من خط شيخ الإسلام -رحمة الله عليه-، وتصوير جميع المخطوطات الموجودة في "المكتبة الظاهرية" لمقابلة المطبوعات، والمخطوطات عليها، وتصوير ما لم ينسخ سابقـًا، فصور ذلك كله.

وقد كانت الأصول المخطوطة في "الظاهرية" هي معظم الأصول التي حصلنا عليها للمقابلة، وأقدمها، وأصحها، ويوجد ضمن ما جمعه الوالد من نجد والحجاز "نسخ خطية"، و"مطبوعات" قد طبعت على نسخ متعددة. فحصلت المقابلة على الأصول المذكورة.

قال الشيخ "محمد" -رحمه الله-: وكنت أقوم بالتصحيح على هذه الأصول، ويتولى الوالد الإشراف عليه؛ كما أن بعض المسائل قد قابله الوالد فيما سبق" انتهى.

وقال -رحمه الله-: "ولم نكن نأخذ أي مبالغ، بل كنت أعمل عملي مدرسًا في المعهد العلمي بالرياض صباحًا، ثم في المساء في الفتاوى دون أن أفرغ لها، وما كان يأتينا من أموال تذهب للصف والنسخ والتصوير والمقابلة وما شابهها. حتى إن الشيخ "محمد بن إبراهيم" يعطينا المبالغ التي تقصر عن حجم العمل".

وقال -رحمه الله- في رحلته للجمع: "فرحت فرحًا عظيمًا عندما وجدت مخطوطات الفتاوى، ولم أفرح في حياتي مثل ذلك الفرح".

وله الحق -رحمه الله- أن يفرح، ولنا الحق أيضًا أن نفرح بوجود أمثال هؤلاء الأعلام، الذين تكبدوا كثيرًا من العناء والمشقة مع وحشة السفر وقلة الزاد، إلى جانب ما ألم بالشيخ "عبد الرحمن" -رحمه الله- من المرض.

فصبروا وصابروا؛ لكي يخرج هذا السفر العظيم إلى طلبة العلم وقد بلغ 37 مجلدًا في 18835 صفحة.

مرض الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ووفاته:

أصيب -رحمه الله- في حادث سيارة في عام 1349 هـ، وأثر في رأسه تأثيرًا بالغـًا، والتأم بعد ذلك وعوفي، فلما ضعف جسمه، وصار مسنـًا عاوده الألم بشدة.

سافر الشيخ -رحمه الله-؛ لتلقي العلاج في بيروت، ومنها إلى فرنسا، وبقي فيها سبعة أشهر حتى عوفي، ثم عاد إلى السعودية.

ثم عاوده المرض بعد ذلك، حتى وجد من الألم ما شق عليه، فاضطر ولده الشيخ "محمد" -رحمه الله- إلى السفر إلى فرنسا؛ لشراء الإبر التي لم تكن متوفرة في السعودية.

يقول الشيخ "محمد" -رحمه الله-: "لما أقبلت على المزرعة بعد هذه الرحلة، فإذا بوالدي خارجها يمشي وحده، قال: فلما رآني فرح فرحًا شديدًا، ومن شدة فرحه بكى" انتهى.

وقال -رحمه الله-: "بكى من فرحته بالدواء، وذلك لشدة ما كان يجد من الألم" انتهى.

وفي أواخر أيامه ضعف بصره -رحمه الله- من كثرة ما يقرأ ويكتب -وهذه حال العلماء-، ثم وافته المنية عام 1392 هـ، وصلى عليه جماهير أهل البلد وعلماؤه، فرحمه الله، وأكرم مثواه.

وتوفي ولده الشيخ "محمد" -رحمه الله- في يوم الثلاثاء 7/6/1421 هـ وكانت جنازته مشهودة.

رحم الله الشيخ الإمام العلامة "عبد الرحمن بن قاسم"، ورحم الله ولده الشيخ "محمدًا" على ما قدماه لخدمة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ونسأل الله أن يجعل ذلك في ميزان حسناتهما، وأن يجزل لهما الأجر والمثوبة.

لمزيد من المطالعة يراجع:

- مقدمة مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، المجلد الأول.

الصفحة السابقة الصفحة التالية