الشيعة ويوم الغدير.. كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا
محمد مصطفى • مذاهب فكرية في الميزان
فلما قدمنا "المدينة" غدوت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فلقيت أبا بكر خارجًا من عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلما رآني؛ وقف معي، ورحب بي، وساءلني وساءلته، وقال: متى قدمت؟ فقلت: قدمت البارحة، فرجع معي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فدخل، وقال هذا سعد بن مالك بن الشهيد، فقال: ( ائْذَنْ لَهُ )، فدخلت، فحييت رسول الله وحياني، وأقبل عليَّ، وسألني عن نفسي وأهلي، وأحفى المسألة، فقلت: يا رسول الله، ما لقينا من عليٍّ من الغلظة وسوء الصحبة والتضييق، فاتئد رسول الله، وجعلتُ أنا أعدِّد ما لقينا منه، حتى إذا كنت في وسط كلامي، ضرب رسول الله على فخذي -وكنت منه قريبًا- وقال: ( يَا سَعْدَ بْنَ مَالِكِ بْنِ الشَّهِيدِ، مَهْ، بَعْضَ قَوْلِكَ لأَخِيكَ عَلِيٍّ، فَوَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ أَحْسَنَ فِي سَبِيلِ اللهِ )".
قال: "فقلت في نفسي: ثكلتك أمك سعدَ بن مالك، ألا أراني كنت فيما يكره منذ اليوم ولا أدري، لا جرم والله لا أذكره بسوء أبدًا سرًّا ولا علانية".
وهذا الخبر رواه البيهقي في "الدلائل"، ورواه الإمام أحمد مختصرًا في "مسنده 3/86"، وقال ابن كثير -رحمه الله-: "وهذا إسناد جيد على شرط النسائي، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة".
وفي روايةٍ أن سبب ذلك أنهم لبسوا حُللاً من الغنيمة، فأنكر ذلك عليٌّ -رضي الله عنه-، ونزع عنهم الحُلل.
قال ابن كثير -رحمه الله-: "عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال: إنما وَجَدَ جيش علي بن أبي طالب الذين كانوا معه باليمن؛ لأنهم حين أقبلوا خلَّف عليهم رجلاً، وتعجَّل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فعمد الرجل فكسى كلَّ رجلٍ حُلَّة، فلما دنوا؛ خرج عليهم عليٌّ يستلقيهم، فإذا عليهم الحلل.
قال علي: ما هذا؟ قالوا: كسانا فلان، قال: فما دعاك إلى هذا قبل أن تقدم على رسول الله فيصنع ما شاء، فنزع الحلل منهم، فلما قدموا على رسول الله؛ اشتكوه لذلك".
ثم عقَّب -رحمه الله- قائلاً: "والمقصود أن عليًّا لما كثر فيه القيل والقال من ذلك الجيش؛ بسبب منعه إياهم استعمال إبل الصدقة، واسترجاعه منهم الحلل التي أطلقها لهم نائبه، وعليٌّ معذور فيما فعل، لكن اشتهر الكلام فيه في الحجيج.
فلذلك -والله أعلم- لما رجع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من حجته، وتفرغ من مناسكه، ورجع إلى المدينة، فمر بـ"غدير خم"؛ قام في الناس خطيبًا، فبرَّأ ساحة عليٍّ، ورفع من قدره، ونبَّه على فضله؛ ليزيل ما وقر في نفوس كثير من الناس" "البداية والنهاية 5/122-123" .
فكان هناك من تكلَّم في علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بسبب الحادثتين، وكانتا في وقت حج النبي –صلى الله عليه وسلم-، فنبَّه النبي -صلى الله عليه وسلم- على فضل عليٍّ بما ورد في هذا الحديث.
فإن قيل: لماذا لم يتكلَّم النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو في "مكة" في أيام "منًى" أو في يوم "عرفة"، وإنما أجَّل الأمر إلى أن رجع؟
فالجواب: أن الذين تكلموا هم من كانوا مع عليٍّ -رضي الله عنه- في السَّرِيَّة، وهم من أهل "المدينة"، فأراد النبي –صلى الله عليه وسلم- أن يوجِّه كلامه لأهل "المدينة"، فبعد مفترق الحجيج في مكة، وعلى طريق "المدينة" الطويل -حيث كان يستغرق من خمسة إلى سبعة أيام- وقف النبي -صلى الله عليه وسلم- للراحة، وخطب فيمَن كان معه مِن أهل "المدينة" ومَن هم على طريق "المدينة" أو يمرون بـ"المدينة" وهم في طريقهم إلى ديارهم، فذكَّرهم بأهل بيته، وفضل عليٍّ –رضي الله عنه-.
وبهذا يتضح تهافت استدلال الشيعة بحادثة "الغدير" على أحقيَّة عليٍّ -رضي الله عنه- بالخلافة على أبي بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنهم-، وبطلان مزاعمهم من أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قد استخلف عليًّا يوم الغدير، أو أنه اجتمع بالمسلمين في مفترق الحجيج؛ ليشهدهم على استخلاف علي، وغير ذلك من المزاعم الباطلة.
ونسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يجمعنا مع نبيه الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- وصحابته أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة الكرام -رضي الله عنهم أجمعين- في الفردوس الأعلى من الجنة.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.