شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الشيعة ويوم الغدير.. كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا

محمد مصطفى • مذاهب فكرية في الميزان

قال -تعالى-: ( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ) (التحريم:4) ، فالموالاة هنا من النصرة والتأييد، ولا يستقيم هنا أن نقول أن المولى بمعنى الوالي.

وقال -تعالى-: ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ ) (محمد:11) ، والموالاة هنا من النصرة.

وقال -تعالى-: ( يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) (الدخان:41) ، والموالاة هنا من القرب، قال ابن كثير –رحمه الله- في تفسيرها: "أي: لا ينفع قريب قريبًا".

وقال -تعالى-: ( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) (آل عمران:68) ، قال الزمخشري: "إن أخصهم به وأقربهم منه، مِن الوَلْي، وهو: القُرب"، فـ"أولى" هنا من القُرب.

وكذا قوله تعالى: ( فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) (الحديد:15) ، قال ابن كثير: "أي: هي أولى بكم من كل منزل على كفركم وارتيابكم".

فقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ؛ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ ) يدلُّ على أنه تجب الموالاة لعليٍّ –رضي الله عنه-، وهي: المحبة والنصرة والتأييد.

وبالرغم من أن الشيعة يعتبرون حديث "غدير خمٍّ" دليلاً قطعيًّا على تقديم علي -رضي الله عنه- في الخلافة؛ إلا أن بعضهم يُقرُّ بأن اللفظ في الحديث مجمل، ولا يدل دلالة قطعية على ما أراد الشيعة إثباته به، ومن هؤلاء النوريُّ الطبرسيُّ أحد كبار علماء الشيعة حيث يقول: "لم يصرِّح النبي -صلى الله عليه وسلم- لعليٍّ بالخلافة بعدَه بلا فصل في يوم "الغدير"، وأشار إليها بكلام مجمل مُشترك بين معانٍ يحتاج تعيين ما هو المقصودُ منها إلى قرائن". "فصل الخطاب 205-206" .

أما لماذا خُصِّص عليٌّ -رضي الله عنه- بالذكر في هذه الحادثة مع أن الصحابة أجمعين تجتمع فيهم مسألة الولاية، وكل منهم مولى للمؤمنين، فهذا؛ لأن لهذا الحدث سببين اثنين:

السبب الأول:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: "بَعَثَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلِيًّا إِلَى خَالِدٍ؛ لِيَقْبِضَ الْخُمُسَ، وَكُنْتُ أُبْغِضُ عَلِيًّا، وَقَدْ اغْتَسَلَ، فَقُلْتُ لِخَالِدٍ: أَلا تَرَى إِلَى هَذَا؟، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ( يَا بُرَيْدَةُ، أَتُبْغِضُ عَلِيًّا؟ )، فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ( لا تُبْغِضْهُ؛ فَإِنَّ لَهُ فِي الْخُمُسِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ )" (رواه البخاري) ، وفي رواية الترمذي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لبريدة: ( مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ؛ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ ).

وذلك أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان قد أرسل خالد بن الوليد؛ ليغزو "اليمن"، وبعد أن فتح الله عليه أرسل خالدٌ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ليرسل له مَن يُخمِّس له الغنيمة، فأرسل -صلى الله عليه وسلم- عليًّا -رضي الله عنه-، فجاء -رضي الله عنه- وقبض الخمس، ثم اختار جارية من الخمس ودخل بها، ثم اغتسل، فلما رآه بريدة وقد اغتسل؛ قال ما قال لخالد.

قال ابن حجر -رحمه الله-: "قوله: "وكنت أبغض عليًّا، وقد اغتسل، فقلت لخالد: ألا ترى؟"، هكذا وقع عنده مختصرًا، وقد أورده الإسماعيلي من طرق إلى روح بن عبادة الذي أخرجه البخاري من طريقه، فقال في سياقه: "بعث عليًّا إلى خالد؛ ليقسم الخمس"، وفي رواية له: "ليقسم الفيء، فاصطفى عليٌّ منه لنفسه سَبِيئة" -بفتح المهملة، وكسر الموحدة، بعدها تحتانية ساكنة، ثم همزة- أي: جارية من السبي، وفي رواية له: "فأخذ منه جارية، ثم أصبح يقطر رأسه، فقال خالد لبريدة: ألا ترى ما صنع هذا؟ قال بريدة: وكنت أبغض عليًّا"، ولأحمد من طريق عبد الجليل عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: "أبغضتُ عليًّا بغضًا لم أبغضه أحدًا، وأحببت رجلاً من قريش لم أحبه إلا على بغضه عليًّا، قال: فأصبنا سبيًا، فكتب -أي: الرجل- إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-: ابعث إلينا من يخمِّسه، قال: فبعث إلينا عليًّا، وفي السبي وصيفة هي أفضل السبي، قال: فخمَّس وقسَّم، فخرج ورأسه يقطر، فقلت: يا أبا الحسن ما هذا؟ فقال: ألم تر إلى الوصيفة، فإنها صارت في الخمس، ثم صارت في آل محمد، ثم صارت في آل علي؛ فوقعت بها". "فتح الباري 8/66" .

السبب الثاني:

عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: "بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليَّ بن أبي طالب إلى "اليمن"، فكنت فيمن خرج معه، فلما أخذ من إبل الصدقة؛ سألناه أن نركب منها ونريح إبلنا -وكُنا قد رأينا في إبلنا خللاً-، فأبى علينا، وقال: "إنما لكم فيها سهم كما للمسلمين".

فلما فرغ عليٌّ وانطفق من "اليمن" راجعًا؛ أمَّر علينا إنسانَا، وأسرع هو وأدرك الحج، فلما قضى حجته؛ قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ارْجِعْ إِلَى أَصْحَابِكَ حَتَّى تَقْدُمَ عَلَيْهِم )".

قال أبو سعيد: "وقد كنا سألنا الذي استخلفه ما كان عليٌّ منعنا إياه ففعل، فلما عرف في إبل الصدقة أنها قد ركبت، ورأى أثر الركب؛ قدم الذي أمَّره ولامه، فقلت: لئن قدمت "المدينة"؛ لأذكرنَّ لرسول الله ولأخبرنه ما لقينا من الغلظة والتضييق.

الصفحة السابقة الصفحة التالية