آداب العالِم مع طلابه
محمد سمير • آداب طالب العلم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فبعد أن وقفنا في مقال سابق على آداب العالم في نفسه؛ فها نحن نقف مع بعض آداب العالم مع طلابه.
1- غايات التعليم:
فيقصد بتعليمهم وتهذيبهم وجه الله -تعالى-، ونشر العلم، وإحياء الشرع، ودوام ظهور الحق وخمود الباطل، ودوام خير الأمة بكثرة علمائها، واغتنام ثوابهم، وتحصيل ثواب من ينتهي إليه علمه من بعضهم، وبركة دعائهم له، وترحمهم عليه، ودخوله في سلسلة العلم بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبينهم، وعداده في جملة مبلغي وحي الله -تعالى- وأحكامه؛ فإن تعليم العلم من أهم أمور الدين، وأعلى درجات المؤمنين؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
يقول ابن جماعة -رحمه الله-: "لعمرك ما هذا إلا منصب جسيم، وإن نيله لفوز عظيم، نعوذ بالله من قواطعه ومكدراته وموجبات حرمانه وفواته".
2- الترغيب في تحصيل العلم:
وعليه أن يرغِّبه في العلم وطلبه في أكثر الأوقات بذكر ما أعد الله -تعالى- للعلماء من منازل الكرامات، وأنهم ورثة الأنبياء، وعلى منابر من نور يغبطهم الأنبياء والشهداء.
ويرغِّبه مع ذلك بالتدريج على ما يعين على تحصليه من الاقتصار على الميسور، وقدر الكفاية من الدنيا والقناعة بذلك عن شغل القلب بالتعلق بها، وغلبة الفكر، وتفريق الهم بسببها؛ فإن انصراف القلب عن تعلق الأطماع بالدنيا والإكثار منها والتأسف على فائتها أجمع لقلبه، وأروحُ لبدنه، وأشرف لنفسه، وأعلى لمكانته، وأقلُّ لحساده، وأجدر لحفظ العلم وازدياده.
3- إكرام الطالب والاعتناء بمصالحه:
من ذلك أن يحب لطالبه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه.
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أكرمُ الناس عليَّ جليسي الذي يتخطى رقاب الناس إليَّ، لو استطعت أن لا يقع الذباب عليه لفعلت".
وينبغي أن يعتني بمصالح الطالب، ويعامله بما يعامل به أعز أولاده من الحنوِّ، والشفقة عليه، والإحسان إليه، والصبر على جفاء ربما وقع منه، وجفاء لا يكاد يخلو الإنسان عنه، وسوء أدب في بعض الأحيان، ويبسط عذره بحسب الإمكان، ويوقفه مع ذلك على ما صدر منه بنصح وتلطف، لا بتعنيف وتعسف؛ قاصدًا بذلك حسن تربيته، وتحسين خلقه، وإصلاح شأنه، فإن عرف ذلك لذكائه بالإشارة؛ فلا حاجة إلى صريح العبارة، وإن لم يفهم ذلك إلا بصريحها أتى بها، وراعى التدريج في التلطف بالأمور العرفية على الأوضاع الشرعية.
4- حسن التلطف في التفهيم:
وعليه أن يسمح له بسهولة الإلقاء في تعليمه، وحسن التلطف في تفهيمه، لا سيما إذا كان أهلاً لذلك؛ لحسن أدبه وجودة طلبه، ويحرضه على طلب الفوائد، وحفظ النوادر والفرائد، ولا يدخر عنه من أنواع العلوم ما يسأله عنه وهو أهل له؛ لأن ذلك ربما يوحش الصدر، وينفر القلب، ويورث الوحشة.
5- النهي عن إلقاء ما لم يتأهل له:
وكذلك لا يُلقِي إليه ما لم يتأهل له؛ لأن ذلك يبدد ذهنه، ويفرق فهمه؛ فإن سأله الطالب شيئًا من ذلك لم يجبه، ويعرفه أن ذلك يضره ولا ينفعه، وأن منعه إياه منه لشفقة عليه ولطف به لا بخلاً، ثم يرغِّبه عند ذلك في الاجتهاد والتحصيل؛ ليتأهل لذلك وغيره، وقد روي في تفسير "الرباني": أنه الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره.
6- التفهيم على قدر الأذهان:
وكذلك يحرص على تعليمه وتفهيمه ببذل جهده، وتقريب المعنى له، من غير إكثارٍ لا يحتمله ذهنه، أو بسط لا يضبطه حفظه، ويوضح لمتوقف الذهن العبارة، ويحتسب إعادة الشرح له وتكراره.
7- المطالبة بإعادة المحفوظات:
وذلك بأن يطالب الطلبة في بعض الأوقات بإعادة المحفوظات، ويمتحن ضبطهم لما قدَّم لهم من القواعد المهمة والمسائل الغريبة، ويختبرهم بمسائل تُبنى على أصل قرره أو دليل ذكره.
8- الشكر لمن أصاب الجواب:
فمن رآه مصيبًا في الجواب، ولم يَخَفْ عليه شدة الإعجاب؛ شكره، وأثنى عليه بين أصحابه؛ ليبعثه وإياهم على الاجتهاد في طلب الازدياد، ومن رآه مقصرًا، ولم يَخَفْ نفوره؛ عنَّفـه على قصوره، وحرَّضه على علو الهمة ونيل المنزلة في طلب العلم، لا سيما إن كان ممن يزيده التعنيف نشاطـًا، والشكر انبساطـًا، ويعيد ما يقتضي الحال إعادته ليفهمه الطالب فهمًا راسخًا.
9- تعليم الاقتصاد في الاجتهاد:
وذلك إذا سلك الطالب في التحصيل فوق ما يقتضيه حاله أو تـَحمله طاقته، وخاف الشيخ ضجره؛ أوصاه بالرفق بنفسه، وذكَّره بقول القائل: "إِنَّ الْمُنْبَتَّ لا أَرْضًا قَطَعَ وَلا ظَهْرًا أَبْقَى"، ونحو ذلك مما يحمله على الأناة، والاقتصاد في الاجتهاد.
وكذلك إذا ظهر له منه نوع سآمة أو ضجر، أو مبادئ ذلك؛ أمره بالراحة وتخفيف الاشتغال، ولا يشير على الطالب بتعليم ما لا يحتمله فهمه أو سنه، ولا بكتاب يقصر ذهنه عن فهمه.
10- حسن المساواة للطلبة:
فلا يظهر للطلبة تفضيل بعضهم على بعض عنده في مودة أو اعتناء، مع تساويهم في الصفات من سن أو فضيلة أو تحصيل أو ديانة؛ فإن ذلك ربما يوحش منه الصدر، وينفر القلب.
فإن كان بعضهم أكثر تحصيلاً وأشد اجتهادًا، أو أبلغ اجتهادًا، أو أحسن أدبًا، فأظهر إكرامه وتفضيله، وبيَّن أن زيادة إكرامه لتلك الأسباب؛ فلا بأس بذلك؛ لأنه ينشط، ويبعث على الاتصاف بتلك الصفات.
11- المراقبة في أحوال الطلبة جميعًا: