شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

آداب العالِم مع طلابه

محمد سمير • آداب طالب العلم

وذلك بأن يراقب أحوال الطلبة في: آدابهم، وهديهم، وأخلاقهم: باطنًا وظاهرًا؛ فمن صدر منه من ذلك ما لا يليق من ارتكاب محرم أو مكروه، أو ما يؤدي إلى فساد حال، أو ترك اشتغال، أو إساءة أدب في حق الشيخ أو غيره، أو كثره كلام بغير توجيه ولا فائدة، أو حرص على كثرة الكلام، أو معاشرة من لا تليق عشرته، أو غير ذلك؛ عرَّض الشيخ بالنهي عن ذلك بحضور من صدر منه، غير معرِّض به، ولا معيِّن له، فإن لم ينتهِ نهاه عن ذلك سرًّا، ويكتفي بالإشارة مع من يكتفي بها؛ فإن لم ينته نهاه عن ذلك جهرًا، ويغلظ القول عليه إن اقتضاه الحال لينزجر هو وغيره، ويتأدب به كل سامع، فإن لم ينته فلا بأس حينئذ بطرده، والإعراض عنه إلى أن يرجع، ولا سيما إذا خاف على بعض رفقائه وأصحابه من الطلبة موافقته على ذلك.

12- تعاهد معاملاتهم الدنيوية ومساعدتهم:

وعليه كذلك أن يتعاهد ما يعامل به بعضهم بعضًا من إفشاء السلام، وحسن التخاطب في الكلام، والتحابب، والتعاون على البر والتقوى، وعلى ما هم بصدده، وبالجملة فكما يعلمهم مصالح دينهم لمعاملة الله -تعالى-؛ يعلمهم مصالح دنياهم لمعاملة الناس؛ لتكمل لهم فضيلة الحالتين.

وعليه أن يسعى في مصالح الطلبة، وجمع قلوبهم، ومساعدتهم بما تيسر عليه مِن جاه ومال عند قدرته على ذلك، وسلامة دينه، وعدم ضرورته؛ فإن الله -تعالى- في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله -تعالى- في حاجته، ومن يسَّر على معسر يسَّر الله عليه حسابه يوم القيامة، ولا سيما إذا كان ذلك إعانة على طلب العلم الذي هو من أفضل القربات.

13- الاستفسار عن أحوال الغائبين، ومواساة المغتمين:

قال ابن جماعة -رحمه الله-: "وإذا غاب بعض الطلبة أو ملازمي الحلقة زائدًا عن العادة سأل عنه وعن أحواله، وعمن يتعلق به؛ فإن لم يخبر عنه بشيء أرسل إليه، أو قصد منزله بنفسه، وهو أفضل.

فإن كان مريضًا عاده، وإن كان في غمٍّ خفض عليه، وإن كان مسافرًا تفقَّد أهله ومن يتعلق به، وسأل عنهم، وتعرَّض لحوائجهم، ووصلهم بما أمكن، وإن كان فيما يحتاج إليه فيه أعانه، وإن لم يكن شيء من ذلك تودد إليه ودعا له".

قال أبو وداعة -رحمه الله-:

"كنت أجالس سعيد بن المسيب، ففقدني أيامًا، فلما جئته؛ قال: أين كنت؟

قلت: توفيت أهلي فاشتغلت بها.

فقال: هلا أخبرتنا فشهدناها؟ قال: ثم أردت أن أقوم، قال: هل أحدثت امرأة غيرها؟

فقلت: يرحمك الله، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟!

فقال إن أنا فعلت تفعل؟

قلت: نعم. ثم حمد الله -تعالى-، وصلى على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وزوجني على درهمين، أو قال: على ثلاثة.

قال: فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح، فصرت إلى منزلي، وجعلت أتفكر ممن آخذ وأستدين، وصليت المغرب، وكنت صائمًا، فقدمت عشائي لأفطر، وكان خبزًا وزيتًا، وإذا الباب يقرع فقلت: من هذا؟

قال: سعيد، ففكرت في كل من اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب؛ فإنه لم يُرَ منذ أربعين سنة إلا ما بين بيته والمسجد، فقلت: وخرجت وإذا سعيد بن المسيب، فظننت أنه قد بدا له، فقلت: يا أبا محمد، هلا أرسلت إليَّ فآتيك؟

قال: لا، أنت أحق مني أن تؤتى.

قلت: فما تأمرني؟

قال: رأيتك رجلاً عزبًا قد تزوجت، فكرهت أن تبيت الليلة وحدك، وهذه امرأتك، فإذا هي قائمة خلفه في طوله، ثم دفعها في الباب، فإذا هي أجمل الناس، وأحفظهم لكتاب الله -تعالى-، وأعلمهم لسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأعرفهم بحق الزوج". "وفيات الأعيان" (1/259) نقلاً عن "تذكرة السامع " .

14- التواضع مع الطلبة:

وهو أن يتواضع مع الطالب وكل مسترشد سائل إذا قام بما يجب عليه من حقوق الله -تعالى- وحقوقه، ويخفض له جناحه، ويلين له جانبه؛ قال الله -تعالى- لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (الشعراء:215) ، وصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلا رَفَعَهُ اللَّهُ ) (رواه مسلم) .

ولله در القائل:

ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعًا فـكـم تحتـها قوم هم منك أرفع

وإن كـنـت فـي عـز وجـاه ومـنعـةٍ فكم مات من قوم هم منك أنفع

وكما قال بعضهم:

تـواضـع تكن كالنجم لاح لناظـرٍ على صفحات الماء وهو رفيع

ولا تـك كـالـدخـان يرفـع نـفسه إلى طـبقـات الجو وهو وضيع

فأخس ما في المرء يرفع نفسه رفـيـع وبـيـن العالـمين وضيع

وأحسن في المرء يكسر نـفسه وضـيـع وبـيـن العـالمين رفيع

يقول ابن جماعة -رحمه الله-: "وهذا لمطلق الناس، فكيف من له حق الصحبة، وحرمة التردد، وصدق التودد، وشرف الطلب؟!".

وعن الفضيل -رحمه الله- قال: "من تواضع لله؛ ورَّثه الله الحكمة".

15- المعاملة بطلاقة الوجه:

وكذلك ينبغي أن يترحب بالطلبة إذا لقيهم وعند إقبالهم عليه، ويكرمهم إذا جلسوا إليه، ويؤنسهم بسؤاله عن أحوالهم وأحوال من يتعلق بهم بعد رد سلامهم، وليعاملهم بطلاقة الوجه، وظهور البشر، وحسن المودة، وإعلام المحبة، وإضمار الشفقة؛ لأن ذلك أشرح لصدره، وأطلق لوجهه، وأبسط لسؤاله، ويزيد في ذلك لمن يرجى فلاحه، ويظهر صلاحه.

وبالجملة:

فعلى العالِم أن يعرف أنه بقيامه بتلك الآداب مع طلابه ينتفع بذلك في الدنيا والآخرة؛ فإن الطالب الصالح أعود على العالم بخير الدنيا والآخرة من أعز الناس عليه، وأقرب أهله إليه، ولذلك كان سلفنا الصالحون الناصحون لله ودينه يلقون شبك الاجتهاد لصيد طالب ينتفع الناس به في حياتهم ومن بعدهم، ولو لم يكن للعالم إلا طالب واحد ينتفع الناس بعلمه وعمله وهديه وإرشاده؛ لكفاه ذلك الطالب عند الله -تعالى-؛ فإنه لا يتصل شيء من علمه إلى أحد فينتفع به إلا كان له نصيب من الأجر، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ).

الصفحة السابقة الصفحة التالية