شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

جولة في رياض المقبولين

أيمن عبد الرحيم • التزكية

"كما اختار الله -عز وجل- زكريا -عليه السلام- يصحب مريم -عليها السلام- يعلمها ويؤدبها"؛ قال -تعالى-: ( وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم العلم والخير والدين؛ فلهذا قال: ( وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا )" تفسير ابن كثير 1/260 .

ووهب الله لمريم عيسى -عليهما السلام-، فأيده الله -تعالى- بجبريل يحوطه ويحفظه ويرعاه، فقال -تعالى-: ( وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) (البقرة:87) .

فإذا وجدت ارتياحًا لمجالسة الصالحين، ومحبة لسماع نصائحهم، وميلاً إليهم؛ فتلك ثمرة من ثمرات قبول الطاعات، وبشرى من بشائر القبول تـُزف إليك.

4- القبول في الأرض:

فتراه محبوبًا مألوفـًا، قال الله -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ) (مريم:96) ، وفي الحديث: ( إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلاَنًا فَأَحْبِبْهُ"، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِى جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلاَنًا فَأَحِبُّوهُ"، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ ) (متفق عليه) .

فرح المقبولين:

ما أجمل هذه اللحظة التي يطرق سمعك فيها أنك من المقبولين الفائزين... قد قبلت صلاتك، وصيامك، وقيامك، وحجك، وعباداتك، إن فرحة الإنسان عندها لا تُحدُّ بحدٍّ، ولا تٌقدر بقدر.

هذا الصحابي الجليل كعب بن مالك -رضي الله عنه- كما في الصحيحين، تخلف عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك، ثم ندم على ذلك، ولما رجع النبي -صلى الله عليه وسلم- من غزوته عزم كعب على أن يَصدُق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا يخادع أو ينافق؛ فأتى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فأقر بين يديه أنه تخلف عن الغزو وليس لديه عذر يعتذر به، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِىَ اللَّهُ فِيكَ )، ثم أرجأ النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره مع صاحبين له فعلا مثل ما فعله؛ حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، كما قال الله -تعالى-: ( وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (التوبة:118) ، وإذا بالصحابة -رضي الله عنهم- يسمعون هذه الآيات، فيسرعون إلى كعب فمنهم من يسعى، ومنهم من يركض فرحًا، ومنهم من يرفع صوته يريد أن يزف بشرى القبول إلى كعب -رضي الله عنه-، ولما توجَّه كعب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا به يسوق إليه البشرى فيقول: ( أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ )، وإذا بكعب يتهلل وجهه فرحًا بالقبول فيقول: "يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أَمِن عندك أم من عند الله؟"، قال: ( لا، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ )، وطفق الصحابة يهنئون كعبًا بتوبة الله عليه.

فإذا كانت هذه فرحة التائب بقبول توبته؛ فما أدراك ما فرحة الطائع بقبول طاعته...؟!

وما أدراك ما فرحة الصائم بقبول صومه...؟!

وما أدراك ما فرحة القائم بقبول صلاته وقيامه؟!

اللهم تقبل منـَّا.

علامات وبشائر القبول:

أخفى الله -تعالى- عن هذه الأمة قبول الأعمال، وكانت الأمم فيما قد مضى تأتي النار من السماء فتأكل القرابين، فيَعرف المتقرب بالقربان أن قربانه قد قـُبل.

قال الله -تعالى-: ( الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ) (آل عمران:183) ، وأما هذه الأمة فقد جعل الله -تعالى- عِلم القبول إليه، فلا يطلع عليه العبد إلا في وقت الحساب في يوم القيامة.

ومع ذلك فهناك علامات يمكن أن يستدل بها العبد على القبول، منها:

1- التوفيق للمزيد:

فمن علامات قبول الطاعة أن يوفَّق العبد لطاعة بعدها، وقبول الحسنة يقود إلى حسنة بعدها، قال الله -سبحانه وتعالى-: ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى . وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى . وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ) (الليل:5-10) ، فالعمل الصالح شجرة طيبة تحتاج إلى سقاية ورعاية حتى تؤتي ثمارها، والمهم أن نتعاهد أعمالنا الصالحة بالمداومة عليها إلى أن نلقى ربنا.

2- نور الوجه وبياضه:

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "إن للحسنة نورًا في القلب، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة ظلمة في القلب، وسوادًا في الوجه، وضيقـًا في الرزق، وضعفـًا في البدن، وبغضًا في قلوب الخلق".

3- نور القلب والبصيرة:

كما قيل: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار"، وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "إن للحسنة بياضًا في الوجه، ونورًا في القلب، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق"، قال الله -تعالى-: ( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ) (النور:40) .

4- الرؤيا الصالحة يبشر الله بها عبده المؤمن:

وفي الحديث: ( لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الْمُبَشِّرَاتُ، قَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ ) (رواه البخاري) ، وفي رواية: ( الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ أَوْ تُرَى لَهُ ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية