مدخل لفهم العملية التربوية
الشيخ عبدالمنعم الشحات • مع الدعاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن قضية التربية تشغل قطاعاتٍ كبيرةً مِن الأحبة مِن آباء وأمهات ومعلِّمين؛ فضلاً عن الدعاة إلى الله -تعالى-، ومع كثرة المؤلَّفات التي تناولت هذه القضية في الحقبة الأخيرة؛ إلا أن مفهوم العملية التربوية ما زال في حاجة إلى استجلاء، ومِن هنا كانت هذه المحاولة المتواضعة لاستجلاء ذلك المعنى الجليل.
وإذا رجعنا إلى معنى كلمة التربية في اللغة نجد أنها تدورُ حولَ معنى: التنشئة والإصلاح، وهذا يعني: وجود حالةٍ مثاليةٍ يُرادُ أن يتم تنشئة المُرَبَّى عليها، وإصلاح ما يطرأ مِن انحراف عليها (1) .
وإذا استصحبنا هذا التعريف فيمكننا أن نقول: إن التربية هي المقصد الأسمى مِن بعثة الرسل عامة، وبعثة محمد -صلى الله عليه وسلم- خاصة، قال الله -تعالى-: ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (الجمعة:2) ، وقال -تعالى- حاكيًا دعاء إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام-: ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم ) (البقرة:129) .
فذكر الله -عز وجل-:
1- وجود المثال عن طريق إنزال الكتاب والحكمة.
2- تعليم هذا المثال للناس: ( وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ).
3- تنشئة النفوس على مقتضى ذلك المثال مع تطهيرها مِن الانحراف عن ذلك المثال: ( وَيُزَكِّيهِمْ ).
وأفضل أساليب التربية: أن تتكامل عناصر العملية التربوية في سياقٍ واحد، وذلك لكل جزئية مِن جزئيات المنهج المثالي، فيتم بيانها، وتوضيحها، وتوضيح محاسنها، وتحفيز النفس للإقبال عليها، وتوضيح العقبات والعوائق، مع بيان كيفية التغلب عليها؛ ولذلك كانت هذه هي السمة الرئيسية للخطاب القرآني، وللخطاب النبوي في معظم الأحيان.
ومِن ثَمَّ كانت أفضل طرق التربية في الإسلام هي: تدبر القرآن والسُّنة، كما قال الله -تعالى-: ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ) (النساء:82) .
فتدبُّرُ نصوصِ الكتاب والسُّنة يؤدي إلى التربية المتوازنة المتكاملة، وهذا ما يشير إليه الأثر: "فتعلمنا القرآن والإيمان جميعًا"، وعلى الرغم مِن ذلك؛ فقد اضطرت الأمة إلى تجريد العلوم وترتيبها على موضوعاتها: كالعقيدة، والفقه، والأخلاق (2) .
وفي واقع الأمر، فإنه وإن أمكنَ استيعابُ معظم الأحكام العقدية والفقهية؛ فإنه لا يمكن بحال مِن الأحوال استيعابُ المنهج التربوي بعيدًا عن النص القرآني والنبوي، وما فيهما مِن بلاغة وبيان، ومزج بيْن مخاطبة العقل والقلب معًا.
وحتى لو خضنا غمارَ هذه المحاولة؛ فسوف نجد أنفسنا مضطرين إلى اعتبار جميع علوم الشرع جزءًا مِن علوم التربية؛ لاعتماد التربية الإسلامية على محاور العقيدة والعبادة والسلوك، بَيْدَ أنه يمكن اعتبار أن العناية بأثر كل فرع مِن هذه الفروع على القلب، وكيفية تعويد النفس عليها فعلاً وتركًا؛ هو ألصق موضوعات هذه العلوم بالتربية.
ومن هنا اعتُبِر كتاب "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي الأنموذج الأفضل في التربية مِن حيث منهج البحث فيه، لا مِن حيث التفاصيل التي أكثر فيها مِن الشطط؛ مما حدا بعلماء آخرين إلى أن يختصروه؛ شعورًا منهم بأهمية موضوعه، مع حرصهم على تنقيته مِن معظم التفاصيل غير السديدة.
وعلى الرغم مِن أن "الإحياء" -أو بالأحرى- مختصراته تقدِّم إلى المربي منهجًا تربويًّا واضح المعالم؛ إلا أن مَن يرجع إليه سيجد نفسه في علم التربية كالمقلد في علم الفقه، فإذا احتاج إلى المزيد فسيلزمه أن يبحث عن آخَر ذي تناول أعمق، ومرة أخرى نجد أنفسنا أمام إنتاج صوفي سلفي في "مدارج السالكين" للإمام ابن القيم، والذي شرح فيه كتاب "منازل السائرين" شرحًا مفصلاً، مستدلاً على الحق الذي في كلامه بأدلة مِن الكتاب والسنة، ومعترضًا على ما فيه مِن باطل بأدلة عقلية ونقلية، مما أحوجه إلى اختصار هو الآخر.
وإذا كان "الإحياء" ومختصراته تُناظر في الفقه الكتب التي كُتبت للمقلد؛ فإن "مدارج السالكين" يمثِّل مرحلة أعمق في علم التربية.
ومع ذلك يبقى جانب آخر مِن الجوانب ليكتمل بناء علم التربية؛ هو ضبط القواعد والأصول التي تُناظِر علم أصول الفقه وعلم القواعد الفقهية في باب الدراسات الفقهية، وهذه الأصول والقواعد تجدها متفرقة في كتابات السلف، لا سيما كتابات الإمام ابن القيم -رحمه الله-.
ومِن اللافت للنظر: أن كتب التربية التي كُتبت في أوساط الصحوة لم تعن بهذا الجانب العناية التي تتناسب مع أهميته، بينما اهتم به كثير مِن الأكاديميين الذين كتبوا في علم التربية الإسلامية مستقلاً، أو مقارنًا بالمدارس التربوية الأخرى.
ويمكن إيجاز أهم قواعد علم التربية في القواعد الآتية:
1- التربية عملية ضرورية للإنسان، لا ينبغي أن تتوقف إلا مع توقف قلبه، وانقطاع أنفاسه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) (آل عمران:102) ، وهي تشمل التنشئة الإسلامية السليمة، كما تشمل الإصلاح المستمر لكل ما يحدث مِن انحراف.
2- الأنموذج الذي تهدف التربية الإسلامية إلى إيجاده هو الشخص الذي يستحق دخول الجنة والنجاة مِن النار، وقد بيَّن الله لنا أن هذا مرهون بسلامة القلب وتزكية النفس، كما في دعاء إبراهيم -عليه السلام-: ( وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ . يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ . إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) (الشعراء:87-89) ، وكما في قوله -تعالى-: ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) (الشمس:9-10) .
ومعالم هذه الشخصية المزكَّاة مُبَيَّنة على وجه التفصيل في الكتاب والسُّنة.