مدخل لفهم العملية التربوية
الشيخ عبدالمنعم الشحات • مع الدعاة
وكذلك نوعية العلاقات التي تنشأ بيْن هؤلاء الأفراد لتكوين المجتمع المثالي، وكما بيَّن الوحي معالمَ المنهج الذي ينبغي أن يسير عليه المسلم بَيَّنَ معالم الإنسان وتكوينه وطريقة حمله على فعل شيء أو تركه؛ لكي يمارسه المربون على مَن تحت ولايتهم، بل يمارس الإنسان ذلك مع نفسه للوصول إلى المراد، وهو ما يُصْطَلح على تسميته "بالعملية التربوية"، وهو مِن الأمور التي ينبغي ألا تغيب عن ذهن المربي بحال (3) .
وهذا الهدف يجب أن يُعْلَن للمُربَّي بكل جلاء ووضوح، وبغض النظر عن المرحلة العمرية التي يعيشها، وأن لكل مرحلة الأسلوب المناسِب لها في التربية (4) .
3- مِن الجدير بالملاحظة: أن السنن الكونية في مجال تربية الكائنات الحية بصفة عامة متشابهة في النبات والحيوان، والجانب المادي مِن الإنسان؛ مِن وجود تدافع بيْن أسباب الصحة وأسباب المرض، ومِن ثَمَّ تتلخَّص "العملية التربوية" في تنمية أسباب الصحة، والوقاية مِن أسباب المرض قبْل حدوثه، وعلاجه بعد حدوثه.
وكذلك الحال بالنسبة للجانب المعنوي مع فارق جوهري، وهو: أنها تدخل في نطاق التكليف بخلاف الجانب المادي الذي تخرج معظم عناصره عن التكليف، فأسباب المرض خلقها الله في الكون، والوقاية منها في جسم الإنسان -جهاز المناعة- معظمه لا إرادي، وحتى الجزء المُمكِن في الجملة قد يعجز عنه الإنسان لسبب أو لآخر، وأما الجانب المعنوي فتوجد أسباب الخير جنبًا إلى جنب مع أسباب الشر، ومحل التكليف في إقبال المكلف على أيٍّ منها (5) ، يقول الله -تعالى-: ( فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) (الشمس:8) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ، وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً؛ فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ المَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ الأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) (رواه الترمذي وابن حبان، وصححه الألباني) .
4- اعتنى التربويون مِن مختلف المدارس التربوية بمسألة: هل الأصل في الإنسان الخير أم الشر؟!
وخلاصة المسألة في دين الله -تعالى-: أن الإنسان مكون مِن أجزاء، أهمها فيما يتعلق بأمر التربية: القلب والنفس، والقلب مفطور على معرفة الله وحبه واللجوء إليه، وأما النفس فهي مخلوق كامل داخل بدن الإنسان يغلب عليه الميل إلى نيل حظِّه ورغباته، وهذه الرغبات بعضها مِن الخير، وبعضها مِن المباح، وبعضها مِن الشر.
وعلى الرغم مِن كون القلب مفطورًا على حب الخير، وأن النفس فيها دواعي الخير ودواعي الشر؛ فإننا نجد غلبة الشر على كثير مِن الناس، وذلك راجع إلى فعل الشياطين التي تحاول أن تعطِّل سلطان القلب، وتؤزُّ النفوسَ إلى الشهواتِ المحرمة فيغلب عليها الشرُّ -والعياذ بالله-.
ومِن هنا تلخصت العملية التربوية في: تقوية سلطانِ القلبِ على النفس، ومنع الشيطان مِن السيطرة عليها، وقد عرض الإمامُ ابنُ القيم -رحمه الله- هذه القضية عرضًا شيقًا ماتعًا في كتابه "إغاثة اللهفان مِن مصائد الشيطان".
وسوف نعرض ملخصًا لهذين البابين، ولكن نحتاج قبْل ذلك إلى أن نعرِّج على سائر مكونات الإنسان سوى القلب والنفس، وهي:
1- البدن: وهو مُكون غير فاعل في التربية؛ لكونه في الحقيقة وعاءً يحوي القلبَ والنفسَ، وإن كان له تعلق بالتربية مِن جهة كونه خاضعًا للقلب والنفس، فمن كان مثاله في التربية الوصول إلى الله بإخلاص العبادة له والإحسان إلى خلقه؛ فسوف يترتب على هذا حاجته لإعداد بدنه للقيام بهذه المهمة.
ومَن يرى إتْباع نفسه هواها، فيترتب على ذلك إطلاق العنان للبدن لتحصيل شهوات تلك النفس.
وأصحاب الرياضات التي يسمونها "روحية" يُضعف أحدهم بدنه تمامًا لكي يشعر بروحه، وربما حدث له ذلك، ولكن تبقى روحًا قعيدة لا تقدم شيئًا ذا بال، فضلاً عن بُعدها عن عبودية ربها التي لا تتم إلا بهذا البدن.
2- العقل: وهو آلة الإدراك، بَيْد أنه وفق المنهج الشرعي فإن القلب يمثـِّل آلة الإدراك الأعلى مِن المخ، فالحواس تغذِّي المخ، والمخ يُدرك ما يُدركه مِن محسوسات، ثم يغذِّي القلب الذي يفقه ذلك، ويضيف إليه الشعور، وقد تكرر في القرآن وصفُ القلب بأنه موضع التعقل والفقه، والإيمان والكفر، والحب والبغض.
فحاصل الأمر أن ما يسمَّى في الاصطلاح "عقلاً" هو في حقيقة الأمر "مخ"، وهو بهذا المعنى كالبدن يتم توظيفه وفق التوجيه التربوي لصاحبه، فمنهم مَن يستعمل عقله في الوصول إلى الطاعات وإدراك العلوم النافعة، ومنهم مَن يوظفه لخدمة أهداف نفسه.
3- الروح: مِن العلماء مَن قال: إنها مغايِرة للنفس، ومنهم مَن قال: إنها ليست مغايرة.
وقد عرض ابن القيم -رحمه الله- لأدلة الفريقين في كتابه "الروح" دون أن يفصِل بينهما؛ بَيْد أن صنيعه في سائر مؤلفاته -لا سيما في "إغاثة اللهفان"- يدل على أنه يرى أنهما غيرُ متغايِرَيْنِ؛ إذ يستخدم النفسَ والروحَ بدلاً مِن بعضهما البعض في سياقٍ واحدٍ.
بَيْدَ أنه في كتاب "الروح" لما عرض لمذهب القائلين بأنهما غيرُ متغايرين قال حكاية عن مذهبهم: "فالفرق بيْن النفس والروح بالصفات لا فرق بالذات"؛ مما يدل على وجود فرق بينهما حتى على مذهب هؤلاء.
ومِن ثَمَّ؛ فسيطرح السؤال عن دور الروح في العملية التربوية؟
وعندي أن الروح حتى لو كانت تمثـِّل حالة مِن حالات النفس؛ فهي تلك الحالة التي تتناسى فيها النفس شهوات البدن، وتتعلق فقط بالسعادة والشقاء المترتبين على مدى قربها أو بعدها عن خالقها.
ويترتب على ذلك: أن تدرك أن زيارة المقابر، وشهود المجامع العظيمة: كالحج، والجمعة، والعيدين، وما يكون فيها مِن أخْذة، وذهول عن قيود الجسد؛ هي وسائل تربوية في حد ذاتها، وكم من قلبٍ قاسٍ ونفسٍ أمارةٍ بالسوء شهدت هذه المشاهد؛ فـَلانَ القلبُ، واطمأنت النفسُ دون وجود أي وسيلة أخرى مِن وسائل التربية: كالوعظ والتذكير؛ فكيف إذا انضمت لها؟!