شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مدخل لفهم العملية التربوية

الشيخ عبدالمنعم الشحات • مع الدعاة

وذكر الإمام أحمد -رحمه الله- عن وهبٍ قال: "مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه، ويصدقونه عن نفسه، وساعة يتخلى فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل؛ فإن في هذه الساعة عونًا على تلك الساعات، وإجمامًا للقلوب"، وقد روي هذا مرفوعًا من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- رواه أبو حاتم وابن حبان وغيرهما.

باب: في علاج مرض القلب بالشيطان:

هذا الباب مِن أهم أبواب الكتاب، وأعظمها نفعًا، والمتأخرون مِن أرباب السلوك لم يعتنوا به اعتناءهم بذكر النفس وعيوبها وآفاتها، فإنهم توسَّعوا في ذلك، وقصَّروا في هذا الباب.

ومَن تأمَّل القرآن والسُّنة وجد اعتناءهما بذكر الشيطان وكيده ومحاربته أكثر مِن ذكر النفس، فإن النفس المذمومة ذكرت في قوله: ( إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) (يوسف:53) ، واللوامة في قوله: ( وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ) (القيامة:2) ، وذكرت النفس المذمومة في قوله: ( وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ) (النازعات:40) .

وأما الشيطان: فذكر في عدة مواضع، وأُفردت له سورة تامة، فتحذير الرب -تعالى- لعباده منه جاء أكثر من تحذيره من النفس، وهذا هو الذي لا ينبغي غيره؛ فإن شر النفس وفسادها ينشأ من وسوسته؛ فهي مركبه، وموضع شرعه، ومحل طاعته.

وقد جمع النبي -صلى الله عليه وسلم- بيْن الاستعاذة مِن الأمرين في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- قال: "يا رسول الله، علمني شيئًا أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت"، قال: ( قُلْ: اللَّهُمَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ؛ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ )، قَالَ: ( قُلْهُ إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَك ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

فقد تضمن هذا الحديث الشريف الاستعاذة من الشر وأسبابه وغايته؛ فإن الشر كله إما أن يصدر من النفس أو من الشيطان، وغايتُه: إما أن تعود على العامل، أو على أخيه المسلم، فتضمن الحديث مصدري الشر اللذين يصدر عنهما، وغايتيه اللتين يصل إليهما.

ولما كان الغضبُ مَرْكَبَ الشيطان، فتتعاون النفس الغضبية والشيطان على النفس المطمئنة التي تأمر بدفع الإساءة بالإحسان؛ أمر أن يعاونها بالاستعاذة منه، فتُمِدُّ "الاستعاذةُ" النفسَ المطمئنة، فتقوى على مقاومة جيش النفس الغضبية، ويأتي مدد الصَبْر الذي يكون النصر معه، وجاء مددُ الإيمان والتوكل، فأبطل سلطان الشيطان: ( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) (النحل:99) .

قال مجاهد وعكرمة والمفسرون: "ليس له حجة".

والصواب أن يُقال: ليس له طريق يتسلط به عليهم: لا من جهة الحُجَّة، ولا من جهة القدرة.

وأما سلطانه فهو على أوليائه: ( إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ) (النحل:100) ، فهو تسلطه عليهم بالإغواء والإضلال، وتمكنه منهم بحيث يؤزهم إلى الكفر والشرك، ويزعجهم إليه، ولا يدعهم يتركونه، كما قال -تعالى-: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ) (مريم:83) .

فهذا من السلطان الذي له على أوليائه وأهل الشرك، ولكن ليس له على ذلك سلطان حجة وبرهان، وإنما استجابوا له بمجرد دعوته إياهم لمَّا وافقت أهواءهم وأغراضهم، فهم الذين أعانوا على أنفسهم، ومكَّنوا عدوهم من سلطانه عليهم بموافقته ومتابعته، فلما أعطوا بأيديهم واستأسروا له؛ سلط عليهم عقوبة لهم.

فالتوحيد والتوكل والإخلاص يمنع سلطانه، والشرك وفروعه يوجب سلطانه، والجميع بقضاءِ مَنْ أزِمَّةُ الأمورِ بيده، ومردُّها إليه، وله الحجةُ البالغةُ، فلو شاء لجعل الناس أمة واحدة، ولكن أَبَتْ حكمتُهُ وحَمْدُه وملكُهُ إلا ذلك: ( فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (الجاثية:36-37) .

وبعد هذا العرض الموجز لمفهوم العملية التربوية، نعرض في عجالة لسائر مباحث علم التربية:

1- فمِن أكثرها أهمية وارتباطـًا بمفهوم العملية التربوية: "مبحث أساليب التربية":

وغنيٌّ عن الذكر أن هذا المبحث يشمل أنواعًا مِن الأساليب التي يتم بها تعليم القيم الإسلامية، وغرسُها في القلب، ومعالجة النفس في العمل بها، ولو على خلاف هواها، وهي متنوعة، منها: الإقناع العقلي، والموعظة الحسنة، والترغيب والترهيب، والقدوة، والقصص، والأمثال، وغيرها.

ومِن أكثرها حاجة إلى البحث والتأصيل: أسلوب العقاب، والذي يشملُ: الحدودَ، والتعزيراتِ، وتأديبَ الزوجةِ والولدِ.

وبالجملة يمكن القول: إِنَّ العقابَ أحدُ الأساليب الخارجية التي يمارسها الوليُّ على مَن تحتَ ولايته ممن استولت شهوات نفسه عليه، ولم يستطع أن يزجرها بأنواع الزجر مِن الانتفاع بالموعظة، والتذكير بأمر العقوبة الأخروية للذنوب والعقوبات الدنيوية القدرية التي جاء في الشرع أن الله يعاقِب أهل المعصية، وهو أسلوب نافع متى ضُبط بضوابطه.

2- ومنها: مبحث على مَن تقع مسئولية التربية؟!

ومنها: مسئولية الأب والأم، والمجتمع، متمثلاً في: المسجد، والمدرسة، والكُتَّاب.

ويقرب منه ويتداخل معه مبحث "وسائط التربية"، وهي تشمل: الأسرة، والمسجد، والكُتَّاب، والمكتبات، ودُور الكُتُب.

3- ومنها: مبحث مصادر التربية الإسلامية:

وهي لا تختلف عن مصادر سائر علوم الشرع مِن الكتاب والسُّنة والإجماع والقياس ونحوها، بَيْدَ أن الكثيرين يفضِّلون في باب التربية ذكر الكتاب والسُّنة والاجتهاد؛ لعدم الحاجة إلى التفصيل الكبير في سائر المصادر هنا.

الصفحة السابقة الصفحة التالية