مدخل لفهم العملية التربوية
الشيخ عبدالمنعم الشحات • مع الدعاة
ومنهم مَن يعبِّر عنه بتجارب السلف، حيث إن الاجتهاد في هذا الباب غالبًا ما يكون تجربة لبعض العلماء، أو المدارس الفقهية أو السلوكية.
4- ومنها: مبحث خصائص التربية الإسلامية:
وهي أيضًا خصائص التشريع الإسلامي بصفة عامة؛ مِن الشمول، والعموم، والتوازن، والواقعية، ونحوها، بَيْدَ أنه مِن المهم هنا: التنبيه على أن "واقعية التشريع ذاته" يجب أن يُضم إليها "واقعية المربِّي ذاته" في عدم الشطط في أحلامه فوق قدرات المربَّى، وهو خطأ تربوي يقع مِن كثير مِن المربين.
وفي السُّنة:
أَذِنَ النبيُ -صلى الله عليه وسلم- لعتبان -رضي الله عنه- بالأخذ برخصة الصلاة في البيت لعمَاه -كما في الصحيحين-، وتشديده على ابن أم مكتوم في عدم الأخذ بهذه الرخصة (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني) ، وفيه قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ ) لمن قال له عن الفرائض: "وَاللَّهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ" (رواه البخاري ومسلم) ، مع قوله عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: ( نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ) (رواه البخاري ومسلم) .
5- ومنها: مباحث عن الخصائص المميِّزة لكل مرحلة مِن المراحل العمرية في التربية: كتربية الأطفال المراهقين البالغين.
6- هذا، وتجدر الإشارة إلى أن كثيرًا مِن الباحثين في التربية يميلون إلى ذكر التفاصيل التشريعية التي يُطلَب أن يُربَّى عليها المُرَبَّى، وطرق مواجهة المشكلات التفصيلية، لا سيما فيما يتعلق بأمر تربية الأطفال، بحيث تغني بحوثهم عن إعادة التنقيب عن هذه التشريعات في كتب الفقه والآداب.
وأختم بما بدأتُ به مِن أن: أمثـَل مناهج التربية هي ما كان منها معتمِدًا -وبصورة مباشرة- على الكتاب والسُّنة.
فالنصيحة للمربين والمدرسين والخطباء: أن يدرسوا معالم المنهج التربوي مِن هذه الدراسات وغيرها، ثم يعيدوا صياغتها على جمهور المربين عن طريق تفسير الآيات وشرح الأحاديث؛ لا سيما أحاديث الآداب، ويُرشَّح لذلك كتاب "رياض الصالحين"، أو كتاب "صحيح الترغيب والترهيب".
فاللهم آتِ نفوسنا تقوها، وزكها أنت خير مَن زكاها، أنت وليها ومولاها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
(1) ومِن الجدير بالذكر: أن مفهوم العملية التربوية يكاد يكون متفَقًا عليه بيْن الأمم، بَيْدَ أنهم يختلفون اختلافًا كبيرًا في تحديد تلك الصورة المثالية، ومِن ثمَّ يبحثون في الوسائل التي تساعد على التنشئة عليها، ويسعون إلى إصلاح مَن شذَّ عنها، حتى المدارس التربوية الغربية التي تغالي في حرية الفرد؛ فهذه الأفكار تمثـِّل عندهم مثالاً لا بد مِن تنشئة الناس عليه، ومَن لم يؤمن به يحتاج عندهم إلى إصلاح وعلاج، بل ربما استئصال.
(2) ظن البعضُ أن الأخلاق بمفردها تمثـِّل المنهج الإسلامي في التربية؛ مما أوجدَ لدى بعض المعاصرين لبسًا في تكامل المنهج التربوي في الإسلام، وربما سبَّبَ هذا الوهمُ تأثرًا بالمفهوم الدارج لدى عامة الناس، والذين يكادون يحصرون التربية في باب الأخلاق والآداب.
(3) ومِن هنا تعلم: أن كثيرًا مِن الكتب التي تحمل عناوين عن التربية يغلب عليها السرد لتفاصيل التشريع الإسلامي في جوانب الأسرة والمجتمع، وهي أمور في غاية الأهمية بلا شك، ولكنها مستوفاة -بحمد الله- في الدراسات الفقهية، فيحتاج الأمر إلى إجمالها في الدراسات التربوية؛ لإفساح المجال أمام استجلاء معالم العملية التربوية ذاتها، أي: عملية حمل المكلفين على التطبيق الأوفى لهذا المنهج.
(4) ومما ينبغي أن يُنتبه إليه: أنه متى تقررت الأصول العامة للتربية؛ سهل تنزيلها على وقائع مختلفة لمراعاة المراحل العمرية، والمستويات الاجتماعية وغيرها.
ومِن هنا نعلم: أن تربية الأطفال -على أهميتها- ليست ميدان التربية الوحيد، ولكنه أحد الميادين التي تطبق فيها هذه القواعد، مراعين فيها درجة إدراك الطفل، ومستوى استيعابه؛ مما يستوجب انصراف همم المربين إلى معرفة القواعد العامة أولاً، ثم معرفة ما يتعلق بالمرحلة التي يتعاملون معها: طفولة أو مراهقة، بل وشيخوخة.
(5) مع وجود ميل فطري إلى الخير، كما سيأتي بيانه.