شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ولذكر الله أكبر

محمد القاضي • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن القلب يحتاج إلى مادة يحيا بها، ويعيش بمدادها, وقد اتفق العقلاء جميعًا على أن القلوب قد تصدأ كما يصدأ الحديد، وأنها تظمأ كما يظمأ الزرع، وتجف كما يجف الضرع، ولذا فهي تحتاج إلى تجلية وري يزيلان عنها الأصداء والظمأ, والمرء في هذه الحياة محاط بالأعداء من كل جانب: نفسه الأمارة بالسوء تورده موارد الهلكة، وكذا هواه وشيطانه، فهو بحاجة ماسة إلى ما يحرزه ويؤمنه ويسكن مخاوفه ويطمئن قلبه.

وإنَّ من أكثر ما يزيل تلك الأدواء ويحرز من الأعداء: ذكر الله والإكثار منه؛ فهو جلاء القلوب وصقالها ودواؤها.

كم يحتاج العبد في هذه الدنيا إلى من يؤمنه ويلتجئ إليه عندما تحيط به الخطوب، فالذاكر لله لا يلتفت إلى غيره، ولا يتعلق بسواه, ولا تقلقه القلة أو الكثرة، وتستوي عنده الخلوة والجلوة!

قال ابن القيم -رحمه الله-: "سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون السمك إذا فارق الماء؟!".

لقد حثَّ الدين الحنيف على أن يتصل المسلم بربه؛ ليحيا ضميره، وتزكو نفسه، ويطهر قلبه، ويستمد منه العون والتوفيق، ولأجل هذا جاء في محكم التنزيل والسنة النبوية المطهرة ما يدعو إلى الإكثار من ذكر الله -عز وجل- على كل حال؛ فقال -عز وجل-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا . وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا ) (الأحزاب:41-42) ، وقال -سبحانه-: ( وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) (الأحزاب:35) .

وقال -جلّ شأنه-: ( وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (الأنفال:45) ، وقال -تعالى-: ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) (البقرة:152) ، وقال -سبحانه-: ( وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ) (العنكبوت:45) .

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ ) (متفق عليه) .

وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ )، قَالُوا: "بَلَى"، قَالَ: ( ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

وقال -عليه الصلاة والسلام-: ( مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

فالحقيقة أن القلب الذي لا يستنير بالذكر تملؤه الظلمة، وتنطفئ فيه نور البصيرة، ويتمكن منه الشيطان، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خنس".

وكان رجل رديف النبي -صلى الله عليه وسلم- على دابة، فعثرت الدابة بهما، فقال الرجل: "تَعِسَ الشَّيْطَانُ"، فَقَالَ النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ تَقُلْ تَعِسَ الشَّيْطَانُ؛ فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَعَاظَمَ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الْبَيْتِ وَيَقُولَ: بِقُوَّتِي، وَلَكِنْ قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ؛ فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَصَاغَرَ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الذُّبَابِ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .

وحكى ابن القيم -رحمه الله- عن بعض السلف أنهم قالوا: "إذا تمكن الذكر من القلب؛ فإن دنا منه الشيطان صرعه الإنسي كما يُصرَع الإنسانُ إذا دنا منه الشيطانُ، فيجتمع عليه الشياطين، فيقولون: ما لهذا؟ فيقال: قد مسه الإنسي".

واللسان المتعطل عن الذكر حاله كالعين العمياء، والأذن الصماء، واليد الشلاء؛ قال الحسن البصري -رحمه الله-: "تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، وفي الذكر، وقراءة القرآن، فإن وجدتم، وإلا فاعلموا أن الباب مغلق"!!

فاللسان المشغول بذكر الله يقوي القلب، وليس القلب فقط؛ بل يقوي الأبدان!

تأمل في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعلي وفاطمة -رضي الله عنهما- لما اشتكيا له ما تواجهه من الطحن والعمل المجهِد، فسألته خادمًا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَلاَ أَدُلُّكُمَا عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ ذَلِكَ؟ إِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا فَسَبِّحَا اللَّهَ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَاحْمَدَاهُ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَكَبِّرَاهُ أَرْبَعًا وَثَلاَثِينَ، فَتِلْكَ مِائَةٌ عَلَى اللِّسَانِ، وَأَلْفٌ فِي الْمِيزَانِ )، فَقَالَ عَلِىٌّ: "مَا تَرَكْتُهَا بَعْدَ مَا سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-"، فَقَالَ رَجُلٌ: "وَلا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟"، قَالَ: "وَلا لَيْلَةَ صِفِّينَ" (رواه أحمد، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، وأصله في الصحيحين) ، وليلة صفين: ليلة حرب ضروس دارت بينه وبين خصومه -رضي الله عنهم أجمعين-.

فالمداومة على الذكر تقوِّي الأبدان وتهوِّن الصعاب، بل تفتح البلاد؛ فقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في فتح القسطنطينية: ( فَإِذَا جَاءُوهَا نَزَلُوا، فَلَمْ يُقَاتِلُوا بِسِلاَحٍ، وَلَمْ يَرْمُوا بِسَهْمٍ، قَالُوا: "لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ"، فَيَسْقُطُ أَحَدُ جَانِبَيْهَا… ثُمَّ يَقُولُوا الثَّانِيَةَ: "لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ"، فَيَسْقُطُ جَانِبُهَا الآخَرُ، ثُمَّ يَقُولُوا الثَّالِثَةَ: "لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ"، فَيُفَرَّجُ لَهُمْ، فَيَدْخُلُوهَا فَيَغْنَمُوا… ) (رواه مسلم) .

الصفحة التالية