شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ولذكر الله أكبر

محمد القاضي • التزكية

فيا له من سلاح تخاذلنا في الأخذ به, فحريٌّ بنا أن ننشغل بذكر الله وقد أحاطت بنا المخاوف من كل جانب، خصوصًا والحضارة المادية المعاصرة قائمة على الجفاف الروحي، ورؤية الإنسان لنفسه وعقله وابتكاراته، ويحاول الانسلاخ من المعاني الشرعية الرفيعة، واستدبار المعاني التي حضَّنا عليها الشرع؛ حتى تحيا الأرواح وتتنعم كما تتنعم الأبدان، بل أعظم، وهذا ما يجعلنا نرى القلق والمخاوف والضيق والهموم قد ملأت حياة الناس في المشارق والمغارب، وضاعت الطمأنينة التي يحتاجها العباد أيما حاجة: ( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) (الرعد:28) .

يقول -جلَّ وعلا- في الحديث القدسي: ( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ ) (متفق عليه) .

فهل يشتكي همًّا وغمًّا وضيقـًا من كان الله ذاكرًا له في نفسه؟!

في الحقيقة هناك من الناس مَنْ يذكرون الله، ولكنهم لا يفقهون معنى الذكر، فتصبح قلوبهم بعيدة عن استشعار جلال الله وقدره حق قدره، وذكر الله -عز وجل- كلامٌ تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، ولكن كثيرًا من الناس لما ألفوا بعض الذكر مع جهلهم بمعناه؛ صاروا لا يردِّدون الذكر إلا كما يردِّدون كلامًا تقليديًّا، وإلا فهل فكَّر أحد في كلمة: "الله أكبر" التي هي رأس التكبير وعماده، وهي أول ما كلف به الرسول حين أمر بالإنذار: ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ . وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ) (المدثر:1-3) ، إنها كلمة عظيمة تحيي موات الأرض الهامدة، لَصوتها هدير كهدير البحر المتلاطم، أو هي أشد وقعًا!!

إنها كلمة ينبغي أن تدوي في أذن كل سارق وناهب؛ لترتجف يده، ويهتز كيانه.

وكذا تدوي، في أذن كل من يهم بإثم أو معصية؛ ليقشعر ويرتدع.

وينبغي أن تدوي في أذن كل ظالم معتدٍ متكبر؛ ليتذكر -إن كان من أهل الذكرى- أن هناك إلهًا أقوى منه، وأكبر من حيلته واستخفافه ومكره، أخذه أقوى من أخذ البشر ومكرهم وخديعتهم، فالله أكبر، الله أكبر كبيرًا.

وهل تأمل أحد في معاني "الحمد لله" التي تحتاج إلى مقالة مستقلة لبيان بعض ما تحويه من اعتراف القلب بالفضل لصاحب الفضل، وما تدل عليه من كمال الخالق في أسمائه وصفاته وأفعاله.

فاستحضار القلب لمعاني الذكر عند نطق اللسان هو المراد من الشارع، ولذا يحصل العبد من الأجر على قدر الحضور القلبي، وهذه هي الجنة التي من لم يدخلها في الدنيا لم يدخل جنة الآخرة, كما تكلم بهذه الكلمات سيد العارفين شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد كان الذكر هو الزاد التي يستعين به في جهاده الطويل مع البدع والضلالات، والذي مِن دونه تخور قواه في مواجهة النفس الآمرة بالسوء، ومن بعد ذلك أعدائه من شياطين الإنس والجن.

فكل مسلم يحتاج إلى هذا الزاد في كل مراحل الحياة، وأشد الناس حاجة لذلك هم السالكون في طريق الدعوة إلى الله الذين هم حالهم ذكر لله؛ لأنهم يحتاجون المعونة الربانية في طريقهم ودعوتهم؛ ألم تر إلى حال الرسل والأنبياء؟ لم ينفكُّوا عن الذكر في كل مراحل الدعوة، وقد كان له الأثر البالغ في نفوسهم، خصوصًا في المواقف الحرجة على طريق الدعوة.

لا حول ولا قوة إلا بالله، فلا تحوُّل من حال إلى حال ولا قدرة على ذلك إلا بتوفيق من الله وإعانة، وهذا المعنى ينبغي أن تمتلئ به نفس العبد المؤمن الساعي في مرضات الله المنشغل بطاعة الله؛ فلا يأس ولا قنوط من رحمة الله، بل ثقة ويقين في نصر الله، امتلأت به نفوس العارفين المطمئنين بذكر الله؛ ألا بذكر الله تطمئن القلوب.

وآخر دعوانا أن الحمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعلى آله وصحبه وسلم.

الصفحة السابقة