ظاهرة الانتحار.. الأسباب والعلاج
محمد شتا • حدث وتعليق
الحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله, أما بعد؛
ففي يوم الأربعاء الخامس عشر من شهر ذي الحجة لعام ألف وأربعمائة وثلاثين من الهجرة طالعتنا الأخبار بانتحار أربعة أشخاص في أماكن متفرقة من مصر في نفس اليوم.
- فتاة شربت مبيدًا حشريًا؛ لأن أباها يريد أن يزوجها من ابن عمها, وهي لا تريده.
- وشاب تزوج منذ ستة أشهر, ولا يجد عملاً لينفق على نفسه وزوجته, فشنق نفسه.
- وآخر ألقى نفسه من الطابق الرابع؛ لأن دخله لا يكفي إلا تسديد إيجار شقته.
- ورابعهم شنق نفسه؛ لأن أسرة خطيبته هدَّدوه بفسخ الخطبة إن لم يوفر شقة زوجيَّة خلال شهر.
- وقبل العيد حاول موظف أن ينتحر؛ لأن راتبه لا يساوي ثمن ثلاثة كيلوجرامات من اللحم.
- وآخر قتل زوجته وأولاده ثم انتحر؛ لخسارته في البورصة ولفقره.
- وعند امتحانات الثانوية العامة كثيرًا ما نسمع عن محاولة الطلبة الراسبين الانتحار, وإذا ألقيت نظرة سريعة على أقسام السموم في المستشفيات تجد كثيرًا من الفتيات اللاتي احتسين سمًّا؛ لفشل قصة الحب الموهوم مع أحد الشباب, وهكذا أصبح خبرًا متكررًا على أسماعنا... خبر الانتحار.
فيجب علينا أن نقف مع هذا الأمر وقفات عديدة:
أولاً: عقوبته عند الله:
1- فقد توعده الله بالنار؛ فقال -تعالى-: ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا . وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ) (النساء:29-30) , فقتل غير المعصوم محرَّم، فجعل الله قتل الغير كقتل النفس, فمن باب أولى تحريم قتل المسلم لنفسه.
وجاء في وصف عذاب قاتل نفسه أنه يُعذَّب يوم القيامة بجنس ما انتحر به؛ لأن الجزاء من جنس العمل، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (متفق عليه) ، وقال: ( مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهْوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسَمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ) (متفق عليه) .
ولم تكن العقوبة بالنار فحسب؛ بل حرَّم الله عليه الجنة كما في الحديث: ( كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: "بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ" ) (رواه البخاري) .
ثانيًا: ما هي أسباب الوقوع في الانتحار؟
إذا بحثنا في أسبابه سنجد سببين رئيسيين: البعد عن الله, والانشغال التام بالدنيا.
1- فمن أهم أسبابه عدم الإيمان بالله:
فالله -عز وجل- يقول: ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) (طه:124) , لذلك نجد أن أعلى معدل للانتحار في العالم في دول هي أعلى الدول دخلاً للفرد مثل: السويد والنرويج؛ وذلك لإلحادهم بالله وكفرهم.
2- الانغماس في المعاصي:
فمع كثرة عصيان الله يضيِّق اللهُ -تعالى- صدرَ العاصي, وتضيق به الحياة, ويفكِّر في الانتحار مهما كان يعيش عيشة رغدة، يقول الحسن البصري -رحمه الله- عن العصاة: "فإنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين؛ فإن ذلَّ المعصية لا يفارق رقابهم؛ أبى الله إلا أن يذل من عصاه".
3- اليأس من رحمة الله:
فنتيجة البُعد عن الله فإنه ييأس من أن ينشرح صدره, ويظن أن عُسره ليس بعده يُسر, ولا يمكنه أن يتمثل قول يعقوب لبنيه: ( وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) (يوسف:87) .
4- عدم الرضا بقضاء الله:
وهذا من أهم أسباب الانتحار؛ لأن المنتحر لا يكون حاله كحال المؤمن الذي قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عنه: ( عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ) (رواه مسلم).
ولما رأى علي -رضي الله عنه- عدي بن حاتم -رضي الله عنه- كئيبًا؛ قال له: "يا عدي، من رضي بقضاء الله جرى عليه وكان له أجر, ومن لم يرضَ بقضاء الله جرى عليه وحبط عمله".
5- الجزع عند أدنى مصيبة:
فالمُنتحر ليس عنده صبر على البلاء، كهذا الرجل الذي أخبر عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ) رغم شدة قتاله في المعركة، فتبعه أحد الصحابة حتى رآه أحد الصحابة وقد أثخنته الجراح, فثبَّت سيفه بالأرض, ووضع ذبابته عند صدره, واتكأ فقتل نفسه (متفق عليه) .
6- جهل العاقبة:
فيظن المنتحر بسبب الضيق الذي يشعر به في الدنيا أنه بذلك سوف يرتاح, وينتهي نَصبُه، والحقيقة المُرَّة أنَّ ما سيلقاه بعد الانتحار من العذاب أضعاف ما كان يعانيه؛ لقوله -تعالى-: ( وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ) (طه:127) .
7- التعلـُّق الشديد بالدنيا:
فإذا فتحتَ عقولهم وقرأتَ ما فيها؛ لن تجد إلا دنيا, لن تقرأ إلا البحث عن وظيفة, أو طريقة لزيادة المال, أو امرأة يتعلق بها... إلى ما لا نهاية من الشهوات, فإذا فقد هدفه الدنيوي هذا الذي يعيش من أجله؛ فسرعان ما يفكر في الانتحار, وصدق الصادق المصدوق: ( مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ؛ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ؛ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهَ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا قُدِّرَ لَهُ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، وكان الحسن يقول : "اجعل الهمَّ همًّا واحدًا" أي: همّ الآخرة.
8- تكليف النفس الحصول على الكماليات: