ظاهرة الانتحار.. الأسباب والعلاج
محمد شتا • حدث وتعليق
وهي آفة عامة في المجتمع، فيحاول الشاب أو الفتاة أن يلبس ملابس ثمنها أضعاف راتبه, فيضطر إلى الاستدانة ليلبس، أو شرائها بالتقسيط، وكلاهما دين, وقِسْ على ذلك في كافة مناحي الحياة: عند الزواج, وعند شراء تليفون محمول, وعند شراء سيارة، ومسكن... يكلـِّف نفسه أكثر من حاجاته الأساسية, وأكثر من إمكانياته المادية, فإذا بالديون تلاحقه, فكان الإرشاد النبوي أن ننظر إلى من هو أسفل منا في الدنيا؛ لكي لا نزدري نعمة ربنا, وصدق "الحسن" إذ يقول: "من نافسك في دينك فنافسه, ومن نافسك في دنياه فألقها في نحره".
9- الإعلام الفاسد:
ففي الأفلام يمثل لك قصة حب محرمة بين رجل وامرأة, وعند فشلها تلجأ المرأة إلى الانتحار, ويلجأ الرجل إلى شرب الخمور, أو الانتحار أيضًا؛ فيؤثر ذلك في النشء, ويرسخ هذا المعنى عندهم, وخصوصًا مع المؤثرات النفسية التي تـُستعمل في هذه الأفلام.
ثالثًا: ما هو العلاج لهذه الكبيرة؟
( مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً ) (رواه البخاري) , فالعلاج له شقـَّان: شق بالنسبة للفرد, وشق بالنسبة للآباء والحُكَّام.
- بالنسبة للفرد:
1- الصبر.. الصبر: يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ ) (رواه البخاري) , فيجب أن يعلم كل واحد منا أن هذه المصائب التي تصيبنا -صغرت أم كبرت- هي كفارات لنا.
يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا ) (متفق عليه) , وفي رواية: ( حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا ) (رواه مسلم) , وفي رواية: ( حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ ) (رواه مسلم) .
وقضاء الله جَارٍ لا محالة؛ فالسعيد من صبر برضاه لا رغمًا عنه؛ فنال الأجرَ، وكفَّر الله عنه السيئات، وعوَّضه خيرًا مما أُخِذ منه؛ فعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا؛ إِلا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا )، قَالَتْ: "فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ؛ قُلْتُ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبي سَلَمَةَ؟! أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-"، ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا؛ فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- (رواه مسلم) .
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى ) (متفق عليه) .
2- الرضا بقضاء الله: وهذا يحتاج من العبد أن يعلم أن كل ما يقضيه الله خيرٌ، يقول عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: "أصبحت وما لي سرور إلا في مواقع القدر".
3- الدعاء: فإن الله -عز وجل- يفرِّج به الكروب، فهو القائل: ( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ) (النمل:62) , فلو علم العبد أن له ربًّا يكشف الضر؛ لن يفكر في أن يعصيه, ويبادر بنفسه.
4- الزهد في الدنيا: فعلى الواحد منـَّا ألا يعلق قلبه بشيء من الدنيا, حتى إذا فقده لا يحزن للدرجة التي توصله للتفكير في الانتحار, وليكن حال المرء منا: ( كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ ) ( رواه البخاري) ، فلا تتكثـَّر من الدنيا؛ فإنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة.
- بالنسبة للآباء:
عليهم أن يربـُّوا أولادهم على معالي الأمور, ولا يجعل ولاءه وبراءه مع ولده على الدنيا, فكثير من الآباء يتعامل مع أولاده على أن التفوق الدراسي هو نهاية الحياة, فإذا لم يتحقق يغضب على ولده غضبًا شديدًا يجعل الولد يفكر فعلاً في الانتحار، وليست هذه دعوة للفشل الدراسي أو الدنيوي؛ ولكنها دعوة لنعطي كل شيء حجمه.
- بالنسبة للحكام:
عليهم نشر الإسلام بتعاليمه السامية التي ترفع إيمان الشعوب عن طريق: مناهج التعليم، والصحف, والمجلات, والقنوات الفضائية, والمواقع الالكترونية, ومنع استخدام هذه الوسائل في نشر الفساد, وليس المساعدة على نشرها, وغلق قنوات الخير.
رابعًا: مسائل متعلقة بالانتحار:
1- ما حكم المنتحر في شرع الله؟ هل هو كافر خارج من الملة, أم هو مرتكب كبيرة من الكبائر؟
الانتحار كبيرة من الكبائر إن لم يقترن به اعتقاد كفري كاستحلال الانتحار, أو اتهام الله -سبحانه- بالظلم ورد قضائه, فإن خلا فعل الانتحار من هذه العقائد الكفرية؛ فصاحبه في مشيئة الله: إن شاء عذبه, وإن شاء عفا عنه؛ لما رواه مسلم في صحيحه: أن الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو هاجر إلى النبي وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: "مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟"، فَقَالَ: "غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ -صلى الله عليه وسلم-"، فَقَالَ: "مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟"، قَالَ: "قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ"، فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ ).
فقد يكون للمنتحر من الحسنات ما يمحو الله بها هذه السيئة, فيعفو عنه.
2- هل يُصلَّى على المنتحر؟
نعم، يُصلَّى عليه إن لم يعلم أنه نطق بكلام كفري قبل موته, ويَتجنب الصلاة عليه أهل الفضل والصلاح؛ زجرًا للناس عن هذا الفعل.
فهذه وقفات سريعة مع كارثة اجتماعية أصبحت تتردد على مسامعنا كثيرًا في هذه الأيام.
ونسأل الله في الختام أن يحيينا ما دامت الحياة خيرًا لنا, وأن يميتنا إذا علم أن الموت راحة لنا، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه.