شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الوحدانية بين الحقيقة والمجاز

أحمد الفيشاوي • مذاهب فكرية في الميزان

فقد كان كلُّ مَنْ لم يقل بقانون الإيمان "الأثناثيوسي" يُتهم بأنه من الآريوسيين الموحديين، أو على الأقل ممَّن تأثر بأقوال آريوس "الموحد"، وقد كان من هؤلاء "الأنصاف" من يقول بألوهية المسيح، ولكن يقول هو مخلوق، وأن جوهره ليس كجوهر الله "الأب"؛ بل إن جوهره بشري كسائر البشر، وأن الله "الأب" هو الذي رفع منزلته؛ ليكون إلهًا معبودًا مثل أبيه، وكان منهم من يقول نحو ذلك في "روح القدس"، وكان منهم من يقول بالأقنوم الواحد وأن "الأب" هو نفسه "الابن" وهو نفسه "روح القدس"، فكان "التوحيد" الذي يدافع عنه "أثناثيوس" ويجادل عليه: مساواة "الابن" و"روح القدس" لله "الأب" في المنزلة وفي الجوهر، لا في المنزلة فقط كما يقول ذلك بعض من ألـَّه المسيح، مع إصراره على تعدُّد الأقانيم وتمايزها.

هذا هو المعنى الأول والمقصود الأساسي للتوحيد عند "أثناثيوس" وعند واضعي الأمانة والقائلين بها.

وكما هو ظاهر فإن هذا التوحيد مجازيٌّ محضٌ، لا يمتُّ بصلة لوحدانية الله -عز وجل- التي جاء بها الأنبياء، فهو توحيد اعتباري، كما نقول مثلاً: "إن بني آدم كلهم واحد"، أي: باعتبار أصلهم وجوهرهم، فليس هذا توحيدًا في الحقيقة، فدعوى النصارى أن الثلاثة واحد إنما هو بهذا المعنى.

لقد كان واضعو "الأمانة" يعنون حرفيًّا ما يقولون؛ فقولهم عن "الابن": "إله حق مِن إله حق مساوٍ للأب في الجوهر"، وقولهم عن "روح القدس": "مسجود له مع الأب"، ونحو ذلك كانوا يؤكدون به على تمايز "الأب" و"الابن" و"روح القدس"، وأن لكلٍّ منهم ماهية وكينونة ووجود وذات غير ماهية وكينونة ووجود وذات الآخر.

فعبارات "أثناثيوس" في "قانون الإيمان" صريحة مقصودة لم يكتنفها ركاكة ألفاظ أو سوء تعبير، بل هي ألفاظ مقصودة تؤدي معانٍ مقصودة ، فمهما حاول النصارى بعد ذلك الادعاء والانتساب لـ"دعوة التوحيد" التي جاء بها الأنبياء؛ فإن "قانون الإيمان" يفضحهم؛ إذ صرَّحوا فيه بثلاثة آلهة متمايزة متغايرة، فلا ينفعهم بعد ذلك ضرب الأمثال على توحد "الثالوث" ولو كان المُمثـَّل به صحيحًا! فكيف لو كان المُمثـَّل به حجة عليهم؟!

فإن الأمثلة التي يضربونها لتوحُّد "الثالوث" لا تخرج عن كونها ثلاثة ذوات بينهم علاقة ما، أو ذات واحدة لها عدة صفات:

أما النوع الأول: فهو حُجَّة عليهم في أنهم يعبدون ثلاثة آلهة؛ إذ مثـَّلوا لعقيدتهم بثلاث ذوات متمايزة متغايرة، كتمثيلهم "الثالوث" بالشمس وشعاعها وحرارتها المنفصلين عنها، فإن هذه ثلاثة ذوات، ولا يقول عاقل أن هذه الثلاثة "واحد"! أما إن قالوا: "الشمس وضوؤها وحرارتها القائمان بها بلا انفصال عنها"؛ فهاتان صفتان من صفات الشمس، فهذا يدخل في النوع الآتي، وعلى كلٍّ فلا يقول عاقل أن ضوء الشمس أو حرارتها أو أيًّا من صفاتها أنها: "شمس حق من شمس حق" ! ولا أن الشمس وضوءها وحرارتها "واحد"! ولا أن صفة الشمس أو صفة أي ذات تنتقل؛ لتتحد بذات أخرى!! وعلى كلٍّ فإنهم يُنكرون كون "المسيح" مجرد صفة لله "الأب" كما سيأتي.

أما النوع الثاني: فلا حجة لهم فيه؛ إذ أنه لا يُطابِق عقيدتهم، وهو كتمثيلهم للثالوث بقول المسلمين: "بسم الله الرحمن الرحيم"؛ ففي هذا المثال: أن المسلمين يعبدون ذات واحدة متعددة الصفات، وعامة علماء النصارى بفرقهم المشهورة يُنكرون أن يكون "الابن" مجرد صفة لـ"الأب"، ويعتبرون ذلك من الهرطقات القديمة المندثِرة، ويؤكدون على أن لـ"الابن" جوهرًا وذاتًا كجوهر "الأب" وذاته، وهذا هو صريح أمانتهم؛ فليس لهم في هذا المثال حجة ولو كان مطابقـًا؛ فكيف والمسلمون لا يقولون أن رحمة الله التي هي صفته: "إله حق من إله حق"، ولا أن رحمته تتحد بشيء من مخلوقاته لا "المسيح" ولا غيره؟! ومن شذَّ من فرق المسلمين، وزعم أن الله أو صفته تحل بشيء من المخلوقات؛ ضلـَّله عامة المسلمين كتضليلهم لمن قال ذلك من النصارى.

لقد أدرك علماء النصارى المثلـِّثين منذ عهدهم الأول صعوبة الدفاع عن "الثالوث المتوحِّد"، وأنهم مهما ضربوا له الأمثال؛ بان فساده وامتناعه ولوازمه الباطلة.

فها هو "إغريغوريوس النزيانزي" التلميذ الأثناثيوسي النجيب، والذي تسميه الكنيسة القبطية بـ"الناطق بالإلهيات" يقول عن "التثليث": "لقد تدارست هذا الأمر في عقلي الخاص بتدقيق، وقلـَّبت الأمر من كل الجهات ومن جميع وجهات النظر؛ لأجد بعض النماذج الموضِّحة لهذا الأمر الهامِّ، ولكنني لم أجد شيئًا على هذه الأرض يصلح أن يكون مثالاً لطبيعة "اللاهوت"!

فإذا كانت الفكرة عند أصحابها القدامى ومنظـِّروها الأوائل لا يمكن إدراكها أو تبريرها تبريرًا منطقيًّا سليمًًا؛ فكيف بمن أتى بعدهم؟!

وأرقى ما استعان به آباؤهم الأوائل من المنطق اليوناني: قولهم: "ثلاثة جواهر يجمعهم الجوهر العام الكلي"، وهو لا يتجاوز ما ذكرناه من التوحيد الاعتباري المجازي، وهو كقولنا: "إن البقر والإبل والغنم يجمعهم اسم بهيمة الأنعام"؛ فليس في هذا أي إشارة إلى التوحيد الحقيقي، وإنما هو توحيد في الأذهان فقط، ليس له وجود في حقيقة الأمر، وهو المعروف في "المنطق" بـ"الفصل" و"الجنس".

وما زال الأمر على هذا الحال إلى عصرنا وإلى آخر الزمان، لا يستطيع أحدهم أن يفهم سر اتحاد "الثالوث" فضلاً أن يشرحه لغيره، وأقوال علمائهم وأكابرهم في هذا كثيرة مشهورة.

يقول القس "بوطر": "قد فهمنا ذلك على قدر عقولنا، ونرجو أن نفهمه فهمًا أكثر جلاءً في المستقبل حين ينكشف لنا الحجاب عن كل ما في السماوات والأرض, وأما في الوقت الحاضر ففي القدر الذي فهمناه كفاية"!

ولا ندري: أي قدر هذا الذي حصل به الكفاية؟! لا شك أنه "التثليث" المحض، أما "التوحيد" فلم يفهموا منه شيئًا.

ونزيد الأمر وضوحًا فنقول لهم: إن "الثالوث المتوحد" ليس أمرًا فوق إدراك العقل -كما تزعمون-، بل هو أمر يعلم العقل بطلانه وامتناعه، وشتـَّان بين ما لا يعلمه العقل وما يجزم العقل بفساده واستحالته!

الصفحة السابقة الصفحة التالية