الوحدانية بين الحقيقة والمجاز
أحمد الفيشاوي • مذاهب فكرية في الميزان
ولو قـُدِّر أن هذا أمر فوق العقل -كما تزعمون-؛ فلِمَ انتحلتم أقوالاً ظاهرها الشرك المحض، وحاربتم وكفـَّرتم من خالفكم، مع أنكم لا تعرفون تفسيرها، ولا تفهمون حقيقتها، وليست ألفاظ أمانتكم منقولة عن المسيح بأناجيلكم؟! فهل هذا إلا من الافتراء على الله، والقول عليه بغير علم؟!
أما اعتذار "بوطر" عنهم بقوله: "ونرجو أن نفهمه فهمًا أكثر جلاءً في المستقبل حين ينكشف لنا الحجاب عن كل ما في السماوات والأرض"؛ فنقول له ولهم: ( فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) (الروم:57) .
أما أشهر المحاولات لحل لغز "الثالوث المتوحد" وأكثرها شعبية وقبولاً عند عامة النصارى فهي اختراعة "الأقانيم"، فكلما فضحهم الناس بعبادتهم ثلاثة آلهة، وأحرجوهم بذلك؛ قالوا: "لا؛ بل إله واحد ثلاثة أقانيم"! فهل جاء هذا اللفظ بجديد؟ وهل حقـًّا رفع تهمة تعدُّد الآلهة، أم أنه أكَّدها وثبَّتها؟!
لقد عبر "أثناثيوس" في "قانون الإيمان" عن الجوهر باللفظ اليوناني "أوسيا" وذلك في قوله عن "الابن": "مساو لأبيه في الجوهر" وترجم للإنجليزية: " The same essence with the father ".
وفي شروحه ورسائله وكتبه كان -أحيانـًا- يستخدم نفس اللفظ: "أوسيا"، وكان -أحيانـًا- يستخدم لفظ: "ايبوستاسيس" كمرادف له، فلا فرق عند "أثناثيوس" ولا عند أهل اللغة بين اللفظين، فكلاهما بمعنى "الجوهر" أو "الذات" أو "الماهية" أو "الكائن" أو "الشخص" أو "القائم بنفسه"، وكلها معانٍ متقاربة، وقد تُرجمت "ايبوستاسيس" إلى اللاتينية: "سبستنتيا" " substantia "، وإلى الإنجليزية: "برسُن" " person "، وإلى السريانية "قنوما".
فلما أراد النصارى ترجمتها للعربية؛ لم يَرُق لهم ترجمتها ترجمة حقيقية معنوية تبين معناها؛ إذ يكون في ذلك تصريح بثلاثة آلهة -أشخاص-؛ فترجموها ترجمة صوريَّة لفظيَّة، واختاروا لذلك لغة مهملة وهي: "السريانية"؛ ليكون ذلك أبعد عن فهم معناها مع أن غالب اصطلاحاتهم الكنسيَّة أصلها يوناني أو قبطي.
إن كل دفاعات النصارى عن "توحد الثالوث" تفضحهم أكثر وأكثر، وتبيِّن أن تثليثهم لا توحيدَ فيه، فحالهم كما قال القائل: "يكاد المريب يقول خذوني"، ولسان حالهم يقول: "المعنى في بطن أثناثيوس"!
ولنعم ما قيل في التثليث:
محالٌ لا يسـاويه محــال وقولٌ في الحقيقة لا يُقـال
وفكرٌ كاذب وحديث زورٍ بدا منهم، ومنشؤه الخيال
ونختم بتلك القصة التي تبيِّن اضطراب عقيدة "التثليث" ولوازمها الباطلة:
قال الشيخ رحمة الله الهندي -رحمه الله-: "نُقل أنه تنصر ثلاثة أشخاص على يد بعض القسيسين، وعلـَّمهم العقائد الضرورية لا سيما عقيدة "التثليث"، وكانوا في خدمته، فجاء صديق لهذا القس وسأله عمَّن تنصر، فقال له: "ثلاثة أشخاص"، فسأل: "هل تعلـَّموا العقائد الضرورية؟"، فقال القس: "نعم"، وطلب واحدًا وسأله عن عقيدة "التثليث"، فقال: "إنك علمتني أن الآلهة ثلاثة: أحدهم: الذي في السماء، والثاني: الذي ولدته مريم العذراء، والثالث: الذي نزل في صورة حمامة على الإله الثاني"! فغضب عليه القس وطرده، وقال: "هذا مجهول"! -؛ لأنه صرَّح بثلاثة آلهة دون أن ينبه على "الاتحاد"-.
ثم طلب الثاني وسأله، فقال: "إنك علمتني أن الآلهة كانوا ثلاثة، وصُلب واحد منهم، فالباقي إلهان"! فغضب عليه القس -أيضًا- وطرده.
ثم طلب الثالث، وكان ذكيًّا بالنسبة إلى الأولين، وحريصًا على حفظ العقائد، فسأله، فقال: "يا مولاي، حفظتُ ما علمتَني حفظـًا جيدًا، وفهمته فهمًا كاملاً بفضل الرب، المسيح الواحد ثلاثة، والثلاثة واحد، وصُلب واحد منهم ومات، فمات الكل بسبب "الاتحاد"، ولا إله الآن، وإلا لزم نفي "الاتحاد"!
فاللهم زينـَّا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين، واحفظ علينا ديننا وعقولنا، وأتمم لنا نورنا، إنك وليُّ ذلك والقادر عليه.