شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الوصية بالذكر.. نداء من العلياء (خطبة مقترحة)

سعيد صابر • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

يقول الله -جلَّ وعلا-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا . وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا . هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا . تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا ) (الأحزاب:41-44) .

- أعلى الذكر وأسماه حضور المذكور في قلب الذاكر، ثم التعبير عن ذلك باللسان، ودون ذلك أن نذكر الله بقلوبنا دون ألسنتنا، ودون ذلك أن نذكر بطرف الألسنة بينما القلوب ساهية لاهية، ودون الكل أن نهوي في براثن الغفلة، أو أن نبتدع أذكارًا وأورادًا، ونجعل لها من عندنا أعدادًا، ونحدد لها أوقاتـًا، ونجلس لها في حلقات تسمى ظلمًا وزورًا: "حلقات الذكر"، وما هي إلا: "حلقات الغفلة".

فإذا كانت هذه مراتب الذكر، وتبيَّن كيف أنه عمل قلبي بالدرجة الأولى؛ فكن -أخي- ذاكرًا الله بقلبك قبل لسانك وأنت تردِّد هذه الأذكار العظيمة؛ فإذا قلت: "الله أكبر"؛ فاستحضر عظمة الله وجلاله، وإذا قلت: "لا إله إلا الله"؛ فاشهد وحدانية الله وتفرده بالإلهية، وإذا قلت: "الحمد لله"؛ فتذكر منة الله، وسوالف الإحسان، وفلول الآلاء، وبحار النعم؛ فهذا هو الذكر الحقيقي الذي تحيا به القلوب، وتسمو به الأرواح.

- والذكر على يُسره وسهولته لـَمِن أشرف الأعمال وأجل القربات؛ يقول -صلى الله عليه وسلم-: ( أحب الأعمال إلى الله أن تموتَ ولسانُك رَطْبٌ من ذِكْرِ الله ) (رواه الطبراني وابن حبان، وحسنه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ ). قَالُوا: "وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟"، قَالَ: ( الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ ) (رواه مسلم) ، وقال -تعالى-: ( وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) (الأحزاب:35) ، وفي الحديث: ( أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ ) (رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني) .

قال سيد الذاكرين -صلى الله عليه وسلم-: ( أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ )، قَالُوا: "بَلَى"، قَالَ: ( ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

- الذكر من أعظم أسباب الثبات ورباطة الجأش، وهو قرين الفلاح وتوأمه، وظله الظليل الذي لا يفارقه، كل ذلك تجده في قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (الأنفال:45) .

- الذكر من غراس الجنة: يقول -صلى الله عليه وسلم-: ( لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِي، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلاَمَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .

- الذكر منجاة من الغيبة واللعنة والخسران؛ ففي الحديث: ( أَلاَ إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلاَّ ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا وَالاَهُ، وَعَالِمًا، أَوْ مُتَعَلِّمًا ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .

- الذكر أمان من النفاق في الدنيا، وأمان من الحسرة يوم القيامة؛ وإلا فما جلس قوم مجلسًا لا يذكرون الله فيه إلا كان ذلك المجلس المشئوم عليهم حسرة يوم القيامة، وقد قال الله -تعالى- في معرض الكلام عن المنافقين: ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا ) (النساء:142) .

- الذكر حياة القلوب والأبدان والأرواح، والغفلة سم قاتل ووباء مدمِّر؛ يقول -عليه الصلاة والسلام-: ( مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ ) (متفق عليه) ، ولما اشتكت إليه فاطمة -رضي الله عنها- ما تعانيه وتقاسيه من الطحن والسعي وخدمة البيت، وسألته خادمًا يعينها؛ أحالها إلى الذكر، وقال لها ولزوجها: ( أَلاَ أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَانِي؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلاَثِينَ، وَتُسَبِّحَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَتَحْمَدَا ثَلاَثَةً وَثَلاَثِينَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ ) (متفق عليه) .

- ذكر الناس داء، وذكر الله دواء:

إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر أحيانـًا فننتكس

قال بعض السلف: "ما طابت الدنيا إلا بذكره، ولا الآخرة إلا بعفوه، ولا الجنة إلا برؤيته".

وقال غيره: "ما تلذَّذ المتلذذون بمثل ذكر الله"، ومن ثمَّ كان الذكر أنيسهم وجليسهم في حلهم وترحالهم، وكان شعارهم:

والله ما طلعت شمس ولا غربت إلا وذكـرك مـقـرون بأنفاسي

ولا جـلسـت إلـى قـوم أحـدثـهـم إلا وأنت حديثي بين جُلاسي

- يكفي الذاكرون شرفـًا: أن الله جلَّ في علاه يذكرهم: ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) (البقرة:152) .

- يكفي الذاكرون عزًّا ومنعة: أنهم في معية الله: ( أَنَا مَعَ عَبْدِي حَيْثُمَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .

الصفحة التالية