الوصية بالذكر.. نداء من العلياء (خطبة مقترحة)
سعيد صابر • خطبة الأسبوع
- يكفي الذاكرون ربحًا ومغنمًا: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ: "لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَحْدَهُ لا شَرِيكُ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيُّ لا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ -أي مليونـًا من الحسنات، وليس ذلك فقط، بل- وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ -وليس ذلك فقط، بل- وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .
فهلم إلى هذه الأرباح وحي على هذا الفلاح
- نعمة الأمن نعمة من أجلِّ النعم التي يمن الله بها على من يشاء من عباده؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم- ( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ؛ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .
وهذا الأمن وتلك السكينة ليس لنا إليهما من سبيل إلا إذا كنـُّا مؤمنين بالله، ذاكرين له: ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) (الأنعام:82) ، ( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) (الرعد:28) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ) (رواه مسلم) .
- هذا وإذا كان يوم القيامة يومًا عصيبًا رهيبًا فيه: ( تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ) (الحج:2) ؛ فإن خير ما نتقي به شر هذا اليوم أن نكون في زمرة الذاكرين؛ يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا عَمِلَ آدَميُّ عَمَلاً قَطُّ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
- وهذا لو كان هذا الذكر مصحوبًا بدمع الخشية؛ ففي الحديث: ( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ... )، سابعهم: ( وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ) (متفق عليه) .
- هذا ومن أجلِّ أنواع الذكر أن تذكر الله بذكر نعمه وآلائه، وأجلها نعمة الإسلام، وبعثة محمد -صلى الله عليه وسلم-: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (آل عمران:164) .
- ومن الذكر: النصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله -تعالى-.
- ومن الذكر: المراقبة، وهو أن تستحضر مراقبة الله، وقربه منك، ونظره إليك، وهذا من أعظم أسباب الاستقامة؛ قيل لبعض السلف: "بِمَ أستعين على غض البصر؟"، قال: "بعلمك أن نظر الله إليك يسبق نظرك لمن تنظر إليه".
فإذا ما خـلوت بـريـبة في ظلمة والنفس داعية إلى العصيانِ
فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
الذكر.. الذكر أيها الأحبة؛ فإنه وظيفة العمر:
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "إن الله لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدًّا معلومًا غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدًّا ينتهي إليه، يقول -تعالى-: ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ . الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) (آل عمران:190-191) "؛ ولذلك كان سيد الذاكرين يذكر الله على كل أحيانه، حتى كان يذكره وهو نائم: ( إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ، وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي ) (متفق عليه) .
اللهم إنا نعوذ بك من القسوة والغفلة، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، والحمد لله رب العالمين.