النصيحة فنون وآداب
أحمد السيد • مع الدعاة
وفي هذا المعنى يقول الفضيل بن عياض -رحمه الله-: "المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير".
وكانوا يقولون: "من أمر أخاه على رؤوس الملأ فقد عيَّره"، ذلك أن الناصح الصادق ليس له غرض في إشاعة عيوب من ينصح له؛ وإنما غرضه إزالة المفسدة وإخراج أخيه من غوائلها.
وكما قال أبو الدرداء -رضي الله عنه-: "من وعظ أخاه سرًّا فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه".
ثم نصيحة العلانية تجرِّئ الناس على الذنوب وتشهرها، وفي هذا يقول أهل العلم: "اجتهد أن تستر العصاة؛ فإن ظهور عوراتهم وهنٌ للإسلام، أحق شيء بالستر العورة".
وأيضًا لا يختلف اثنان في أن النصيحة في العلن يكرهها الناس، فكل الناس يكرهون أن تـُبرز عيوبهم أمام الناس، ولكن إذا أخُذ الرجل جانبًا ونـُصِح على انفراد؛ لكان ذلك أدعى للقبول، وأدعى لفهم المسألة، ولأحبَّك الرجل؛ لأنك قدمت إليه معونة، وأسديت إليه خدمة بأن نصحته وصحَّحت خطأه.
يقول الإمام الشافعي -رحمه الله-:
تعمدني بنصحك في انفرادي وجنبني النصيحة في الجماعة
فـإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه
فإن خالفتني وعصيت قولي فـلا تـجــزع إذا لـم تـُعط طاعة
هذه طبيعة النفس البشرية إلا من تجرَّد ووصل إلى حدٍّ من التجرد بحيث يقبل النصيحة وإن كان ينزعج من الأسلوب.
وكذلك بعض الناس يريد أن تكون النتائج لحظية؛ فيحب من الناس أن يغيروا ما بهم بمجرد أن يُنصحوا، يريد أن ينصح في المجلس، يريد أن يستجيب الناس ويغيِّروا ما بأنفسهم في المجلس، فيكون مخطئًا في تقديره، وغير فاهم لطبيعة البشر؛ لابد أن يأخذ الناس فترة للتفكير، وفرصة للانسحاب.
والتعالي في النصح يُشعر بالتوبيخ والتأنيب أكثر مما يظهر النصح، وقد قيل لبعض السلف: "أتحب أن يخبرك أحد بعيوبك؟"، فقال: "إن كان يريد أن يوبخني فلا".
أما إذا كان الخطأ متكررًا شائعًا، أو كان المقصود تحذير الناس من الوقوع فيه، أو تعليم الناس أمرًا هامًّا يحتمل التباسه عليهم؛ فحينئذ يكون الجهر بالنصيحة أفضل من الإسرار.
وحين يجهر الناصح بالنصح لا يسمِّي شخصًا معينـًا بعينه، ولا يذكر اسمًا؛ بل يفعل كما يفعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- حين وقف ينبِّه على بعض الأخطاء التي وقعت من أناس معلومين؛ فقال: ( مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا... ) (رواه مسلم) ، والهروب من الصاحب والأخ المخطئ وترك نصحه خطأ أكبر، لِم؟ لاستحالة وجود إنسان بلا أخطاء أو عيوب.
أيضًا سيساعد على حفظ السرية الأسلوب غير المباشر "التعريض لا التصريح"؛ فالناس -كل الناس- يكرهون الأسلوب المباشر في النقد، ولا يحبون أن تـُقال لهم الأوامر مباشرة؛ فالتصريح يهتك حجاب الهيبة، ويورث الجرأة على الهجوم، والتبجح بالمخالفة، ويهيج على الإصرار والعناد؛ أما التعريض فيستميل النفوس الفاضلة، والأذهان الذكية، والبصائر اللماحة.
قيل لإبراهيم بن أدهم -رحمه الله-: "الرجل يرى من الرجل الشيء، أيبلغه عنه؟ أيقوله له؟"، قال: "هذا تبكيت، ولكن يعرِّض".
وكل ذلك من أجل رفع الحرج عن النفوس، واستثارة داعي الخير فيها، كيف والتعريض سنة محفوظة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في مخاطبة أصحابه -رضي الله عنهم-: ( مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا... )؟!
4- الشرط الرابع: ألا تؤدي إلى ضرر أكبر، وذلك شرط حتمي في كل نصيحة؛ لأننا نريد بالنصيحة: رفع ضرر محقق؛ فإذا ترتب عليها وقوع ضرر أكبر يكون السكوت أفضل.
فنون تساعد على تطبيق هذه الوسيلة
1- فن معالجة الأخطاء:
- اللوم للمخطئ لا يأتي بخير؛ ذلك لأن اللوم يحطم كبرياء النفس، ولا أحد يعشق اللوم ويهواه.
2- أبعد الحاجز الضبابي عن عين المخطئ: بإزالة اللبس والخطأ والغشاوة عن عين المخطئ؛ تـُعرِّفه الخطأ بأسلوب حسن.
وفي الشاب الذي استأذن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الزنا بكل جرأة فعلمه قائلاً: ( أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ )؟ قَالَ: "لا، وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ"، قَالَ: ( وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ ). قَالَ: ( أَفَتُحِبُّهُ لاِبْنَتِكَ )؟ قَالَ: "لا، وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ"، قَالَ: ( وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ ). قَالَ: ( أَفَتُحِبُّهُ لأُخْتِكَ )؟ قَالَ: "لا، وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ"، قَالَ: ( وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأَخَوَاتِهِمْ ). قَالَ: ( أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ )؟ قَالَ: "لا، وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ"، قَالَ: ( وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ ). قَالَ: ( أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ )؟ قَالَ: "لا، وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ"، قَالَ: ( وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالاَتِهِمْ ). فَوَضَعَ –صلى الله عليه وسلم- يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: ( اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ )، فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
3- استخدم العبارات اللطيفة في إصلاح الخطأ.
4- ترك الجدال أكثر إقناعًا من الجدال: ذكر عن مالك بن أنس -رحمه الله- أنه قيل له: "يا أبا عبد الله، الرجل يكون عالمًا بالسنة، أيجادل عنها؟"، قال: "لا؛ ولكن يخبر بالسنة فإن قبلت وإلا سكت".
5- ضع نفسك مكان المخطئ ثم ابحث عن الحل: ( إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شيْءٍ إِلا شَانَهُ ) (رواه مسلم) .
7- عندما تنتقد اذكر جوانب الصواب.
8- لا تفتش عن الأخطاء الخفية.
9- استفسر عن الخطأ مع إحسان الظن والتثبت.
10- امدح على قليل الصواب الكثير من المدح الصواب.
11- تذكر أن الكلمة القاسية في العتاب لها كلمة طيبة مرادفة تؤدي نفس المعنى.
12- اجعل الخطأ هينـًا ويسيرًا، وابن الثقة في النفس لإصلاحها.
13- تذكر أن الناس يتعاملون بعواطفهم أكثر من عقولهم.
فن التغافل