شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أزمة الإخوان.. أزمة أجيال أم منهج أم لائحة؟

الشيخ عبدالمنعم الشحات • مذاهب فكرية في الميزان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلم يعد الكلام في الشأن الإخواني حكرًا على أعضاء الجماعة بعد ما كسر بعض قيادات الجماعة هذا الحظر بأنفسهم، ولجئوا إلى وسائل الإعلام؛ للإعلان عن رفض أو قبول شيء مما يجري داخل كواليس الجماعة؛ بدءً من أزمة رغبة "المرشد" في تصعيد الدكتور "عصام العريان" إلى "مكتب الإرشاد" دون انتخابات خلفـًا للأستاذ "محمد هلال" -رحمه الله-، ومعارضة معظم أعضاء المكتب لهذا الأمر، مما دفع "المرشد" إلى التنازل عن مهامه للدكتور "محمد حبيب"، ثم إجراء انتخابات لـ "مكتب الإرشاد" لم يوفق فيها كل من الدكتور "حبيب" والدكتور "عبد المنعم أبو الفتوح"، بينما نجح فيها الدكتور "عصام العريان"، في ذات الوقت الذي أبدى الدكتور "إبراهيم الزعفراني" عدم رضاه عما أسماه بـ "الانتخابات الموجهة لمكتب الإرشاد".

الأزمة فسَّرها البعض بالقصور في اللائحة، وفسرها البعض الآخر بأنه صراع بين المحافظين والإصلاحيين، وفسره البعض الآخر بأنه صراع بين الفكر الوسطي والفكر القطبي.

ودخل على الخط -وربما كانوا على الخط من أول الأمر- مراكز بحثية، ورجال ممن يحملون لقب "باحث في شئون الجماعات الإسلامية"؛ كلٌّ يريد أن يشكـِّل توجهات "جماعة الإخوان" وفق رؤيته هو لما ينبغي أن تكون عليه "جماعة الإخوان"، لا سيما في مقدار انفتاحها على السياسة والغرب.

وقد كان لهؤلاء أثر بالغ في استدراج الدكتور "حبيب" إلى ساحة التصريحات الإعلامية، ثم التهديد بالاستقالة، ثم الاستقالة الفعلية من كل مهامه في "الإخوان" عدا عضوية مجلس الشورى العام، وهي كلها مفردات غريبة على "جماعة الإخوان" المعروفة بأطرها التنظيميَّة الصارمة .

وفي هذه السطور نحاول استجلاء الأمر، وتوجيه نصيحة -نسأل الله أن تكون خالصة- لهذا الفصيل الإسلامي:

من الواضح أن الأزمة الحالية أبطالها هم رموز جيل السبعينيات، والذي سيطر على الخطاب السياسي والإعلامي للجماعة في السنوات الأخيرة، وأن ذلك تم بدعم من الأستاذ "عاكف" المرشد الحالي الذي أعطاهم الفرصة واختار المهندس "خيرت الشاطر" والدكتور "حبيب"؛ ليكونا نائبين، كما أنه خاض مواجهة عنيفة مع باقي أعضاء "مكتب الإرشاد" بسبب رفضهم لتصعيد الدكتور "عصام العريان" لـ "مكتب الإرشاد" قبل إجراء هذه الانتخابات، وهي الأزمة التي أسفرت عن تفويضه الدكتور "حبيب" في أداء مهام منصبه، ويبدو أن الفترة القصيرة التي أدار فيها الدكتور "حبيب" الجماعة نائبًا عن "المرشد" قد رسَّخت الرؤية لدى الكوادر القديمة في "مكتب إرشاد الإخوان" أن التيار المسمى بالإصلاحي يسعى لإحكام قبضته على الجماعة، ومن ثمَّ دفعوا الأمور في اتجاه إجراء انتخابات عاجلة يتجنبون بها استمرار الدكتور "حبيب" في منصب "المرشد" أكثر من ذلك، لا سيما أنه كان سيتولى المهمة ستة أشهر كاملة منفردًا إذا تم تأجيل انتخابات "مكتب الإرشاد" لحين إجراء انتخابات مجلس الشورى القادمة.

وفي ثنايا هذا الصراع حاول كل فريق أن يفسر لائحة "الإخوان" بما يخدم رؤيته، مما دفع البعض إلى تفسير الأزمة على أنها "أزمة لائحة".

والواقع أن الأزمة أعمق بكثير من هذا، ولنحاول الآن سرد فصولها:

الفصل الأول: "الإخوان" كما أسَّسها الأستاذ "حسن البنا" -رحمه الله-:

الأستاذ "حسن البنا" شخصية حادَّة الذكاء، متوقدة العاطفة، تملك قدرة عالية على التأثير فيمن حوله، بدأ حياته صوفيًّا في الطريقة "الحصافية"، فطوَّر من شأنها من حركة انعزالية رافضة إلى حركة اجتماعية نشطة عن طريق تأسيسه لجمعية "الإخوان الحصافية"، ثم التحق بكلية "دار العلوم" عن طريق مسابقة أهـَّلته للانضمام إليها رغم حداثة سنه، فانتقل من قرية "المحمودية" إلى "القاهرة"، حيث تأثر بالأستاذين: "محمد رشيد رضا" و"محب الدين الخطيب"، وعرفه الجمهور عندما قدمه "محب الدين الخطيب" كاتبًا في "مجلة الفتح"، واتسعت مدارك الأستاذ "البنا"، وبدا وكأنه يعيش حالة من الصراع بين مورثه الصوفي القديم وبين الثقافة السلفية التي وجد نفسه جزءً منها.

وتخرج "الأستاذ البنا" وتم نقله إلى "الإسماعيلية"؛ ليبتعد عن أستاذه في "القاهرة"، ولكنه كان قد التقط من الأستاذ "رشيد رضا" قاعدته التي سماها بقاعدة "المنار الذهبية": "نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه".

وهي قاعدة كان الأستاذ "رشيد رضا" يطرحها في محاوراته مع الشيعة كتكتيك لجرِّ عقلاء الشيعة، وما يلبث أن يوضح من أن المتفق عليه هو الكتاب والسنة كما وردت في كتب السنة، وهو تعظيم القرون الثلاثة الخيرية، مما دفع الشيعة إلى رفض دعوته، بل إلى تكفيره كما ذكر ذلك في أكثر من عدد من مجلته "المنار".

لكن الأستاذ "حسن البنا" وجد فيها الملاذ الذي يحل به النزاع الداخلي في نفسه بين السلفية والصوفية، كما أنه وجد به السبيل الذي يحل به الصراع الذي كان على أشده بين السلفية والأشاعرة ممثلة في معظم شيوخ "الأزهر" وفي "الجمعية الشرعية"، ثم استعمله لاحقـًا مع الشيعة أنفسهم وبصورة جادة وفاعلة وقابلة؛ لتجاوز كل نقاط الخلاف مع الشيعة فعلاً، مما دفع الشيعة إلى قبول مبادرته على خلاف مبادرة أستاذه "رشيد رضا".

وقد صاغ الأستاذ "البنا" "الأصول العشرين" منطلقـًا من هذه القاعدة كما يدرك ذلك كل من طالعها.

وكان لهذه الروح التجمُّعية أثرٌ لرواج دعوة الأستاذ "البنا"؛ لأنها خرجت في وقت يأس وإحباط، وكان الجميع يريد تجاوز مرحلة الكلام إلى مرحلة العمل. وكان لشخصية "البنا" الآسرة دور كبير في انطلاق العجلة على هذا النحو.

ولكن الجماعة دفعت الثمن غاليًا عن طريق تمرد التنظيم الخاص، وتنظيره لنفسه في قضية غاب فيها تنظير الأستاذ "البنا"؛ ألا وهي: كيفية التعامل مع النظام الحاكم في ظل تعقـُّد الأمور.

الصفحة التالية