أزمة الإخوان.. أزمة أجيال أم منهج أم لائحة؟
الشيخ عبدالمنعم الشحات • مذاهب فكرية في الميزان
كما أن الأستاذ "سيد قطب" والذي تطوَّر فكره من البعد عن الفكرة الإسلامية إلى الاندماج فيها على الطريقة "الإخوانية"، ثم إلى استقلال شخصيته عن طريق الدراسات الفكرية التي كانت أعمق بكثير من إنتاج الأستاذ "البنا" في هذا المجال، والتي بيَّن فيها عظمة التشريع الإسلامي مقارنة بالتشريعات الأوربية الوافدة التي افتتن بها أهل ذلك الزمان، ومن نتاج هذه الدراسات خرج الأستاذ "سيد قطب" بضرورة استعلاء المسلمين بإسلامهم، وعدم الوقوف –دائمًا- موقف المُدافع، وهي فكرة كانت جديدة وحماسيَّة ومستمدة من نور الوحي، مما جعل "القطبية" تمثل تيارًا جارفـًا داخل "الإخوان"، إلا أن الأستاذ "سيد قطب" -عفا الله عنه- تجاوز بفكرة الاستعلاء بالإيمان الاستعلاء على الكفر بالاستعلاء على المسلمين العصاة، وتكرر منه استعمال لفظ: "جاهلية القرن العشرين"، مما مثـَّل بوادر ظاهرة تكفيرية داخل "الإخوان".
وحسنـًا فعل "الإخوان" حينما أسندوا مهمة "المرشد" إلى المستشار "حسن الهضيبي" رغم كونه من خارج الجماعة، فوقف أمام كثير من الانحرافات، والذي يعتبر كتابه "دعاة لا قضاة" المحاولة الأولى للرد على الفكر التكفيري الذي بدأ يتكون.
إذن فقد عانت الجماعة في أصل نشأتها من نتوءين فكريين في غاية الخطورة: فيما يتعلق بالمواجهة المسلحة مع النظام، وفيما يتعلق بالمواجهة التكفيرية مع المجتمع.
وجاءت فترة الحرب الشاملة من "النظام الناصري" مع "الإخوان"؛ ليقف تيار الانشطار الذي كان السبب الرئيسي فيه هو: غياب التنظير الكامل لدى "جماعة الإخوان" في مناهج الاستدلال أولاً، ثم في العقيدة ومناهج الدعوة وأساليب التغيير ثانيًا.
وجاءت الانفراجة والعصر الساداتي، والذي كان "مرشد الإخوان" فيه الأستاذ "عمر التلمساني"، وفي عصره تم التوسع بقوة في مفهوم التعاون فيما اتفقنا عليه، وعقد "الإخوان" مؤتمرًا حاشدًا في مسجد "أبي العباس" في "الإسكندرية"، وحضره جميع "الإخوان"، وهو الأمر الذي كان يتحاشاه الأستاذ "البنا" رغم نشأته الصوفية. وهذه الفترة شهدت انضمام جيل جديد من "الإخوان" عُرف بـ"جيل السبعينيات".
الفصل الثاني: جيل السبعينيات جيل يحاول تغيير الإخوان من الداخل:
في أثناء وجود "الإخوان" في السجون تكوَّنت حركة طلابية إسلامية سلفية متأثرة بدعاة "أنصار السنة" في الداخل، وبكتابات "الشيخ الألباني" وكذلك بكتابات الشيخ "ابن باز" والشيخ "العثيمين"، ومن وراء كل هؤلاء كانت كتابات: "ابن تيمية" و"ابن القيم" -رحمهم الله جميعًا-.
وبعد التواجد العلني للإخوان عرضوا على هذه الحركة الطلابية أن ينضموا للإخوان، فرفض عددٌ كبير ذلك، رافضين المنهج التجميعي الذي قامت عليه دعوة "الإخوان"، بينما وافق على ذلك الكثيرون من رموزهم الحالية: الدكتور "محمد حبيب"، والدكتور "عبد المنعم أبو الفتوح"، والدكتور "إبراهيم الزعفراني"، والدكتور "عصام العريان".
وقد كان غرض هؤلاء من دخول "الإخوان" الاستجابة للأصوات التي طالبتهم بالإصلاح من الداخل لا من الخارج.
دخل هؤلاء "الإخوان" على أنهم تيار "إصلاحي"، ولكن كان مفهوم الإصلاح عندهم –آنذاك- هو الوصول بـ"جماعة الإخوان" إلى نقاء فكري ومنهجي على منهج "أهل السنة والجماعة".
وبالعزيمة القوية لهذا الجيل الذي يمثـِّل من الناحية العُمرية في دعوة "الإخوان" جيل الوسط قرر "الإخوان" خوض التجربة البرلمانية، وخاض هؤلاء الرموز معارك حضروا فيها ورش عمل مشتركة مع أحزاب علمانية بدعوى: مصلحة الدعوة، وتمدَّدت قاعدة التعاون فيما اتفقنا عليه؛ لتشمل التعاون مع الأحزاب العلمانية، وتقاسم الحصص الانتخابية معها!!
واتصل هؤلاء بـ"الإدارة الأمريكية"، وقابلوا سفراء "أمريكا" في "القاهرة" أكثر من مرة تحت شعار: "الحوار الإخواني الأمريكي"! وكل هذا كان بتكليف من "الجماعة"، ورضا من مرشديها.
حتى كلف الأستاذ "الهضيبي" المهندس "أبو العلا ماضي" بالتقدم بمشروع حزب سياسي كنوع من أنواع المبادرات السياسية، ثم صدرت توجيهات لماضي بتعليق مشروع الحزب إلى أجل غير مسمى، مما دفع "أبو العلا ماضي" إلى الخروج من الجماعة والاستمرار في مشروع الحزب حتى الآن، وكلما امتد الزمان بحزب "الوسط"؛ صار الحزب أكثر "وسطية" من وجهة نظر أصحاب الثقافة العلمانية، مما يعني أنه يصبح أكثر تسيبًا وبعدًا عن المنهج الإسلامي من الجهة الشرعية.
وتأثر جيل السبعينيات في الجماعة بنفس المؤثرات التي أثـَّرت في حزب "الوسط" تقريبًا، ونسي رموزه الإصلاح السلفي الذي كانوا ينوون إحداثه في "الإخوان"؛ ليتكلموا عن إصلاح فكري في اتجاه العلمنة.
وكانت القضية في أول الأمر لا تعدو أن تكون ليًّا للكلام؛ ليرضى العلمانيون، فيقولون: "نحن نؤمن بالديمقراطية" ثم يقيدونها بما لا يخالف الشرع، "ونحن ننادي بالحرية" ويضيفون إليها نفس القيد.
بيد أن الخصوم استخدموا كل ما في جعبتهم من أساليب الترويض، وطالبوا "الإخوان" بتدوين وتوثيق كل هذه الأفكار وتطبيقها على "الإخوان" في الداخل.
وكان من مظاهر ذلك: الانقلاب على أمور كان موقف الجماعة فيها في غاية الوضوح، كموقفهم من مشاركة المرأة في الانتخابات، والذي كانوا يرفضون مشاركتها فيه كناخبة، ثم تحوَّل إلى موافقتهم على دخولها فيه كمرشحة، بل دفع الدكتور "إبراهيم الزعفراني" بزوجته في انتخابات في "الإسكندرية"، وقـُدمت لتقدِّم برامجها الانتخابية في كلمات عقب صلاة الجمعة في مساجد "الإخوان" الكبرى، وخلعت النقاب من أجل إعداد ملصقات الإعلانات إلى آخره، كل هذا لإثبات أن الموقف الجديد من المرأة موقف ثابت لا يتغير.
كما زار الدكتور "عبد المنعم أبو الفتوح" "نجيب محفوظ" مطالبًا إياه بإعادة نشر الرواية الكفرية "أولاد حارتنا"، ومتبرئًا من "سيد قطب"، في حضور جوقة من العلمانيين لم يرضوا منه بما دون ذلك.
وراح الدكتور "عصام العريان" ينظـِّر للحوار "الإخواني-الأمريكي"، وأبدى استعداده -بل استعداد "جماعة الإخوان"- لمراجعة الموقف من اتفاقية السلام، وهي الحالة التي أصبح فيها جيل السبعينيات عبئًا على الجماعة، ومسببًا للحرج البالغ لكوادرها فضلاً عن رموزها.