شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

كتاب "منة الرحمن" لماذا؟

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج العلمي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

لماذا تـُدَرِّسُون كتابَ "منة الرحمن" دونَ غيره مِن كتب العقيدة؟

سؤال يُطرَح كثيرًا ونـُعْرِض عن الجواب عنه؛ إيثارًا لسلامة الصدور، وللبُعد عن مدح النفس -ولو في مقام الدفاع-، إلا أن هذا الصمت جَرَّأ الكثيرين على التمادي في هذا الزعم؛ مما دفعني لكتابة هذا المقال رغم ما يُخالجني مِن تردُّدٍ؛ لكون مدح الإنسان لشيخه نوعًا مِن المدح الضِمني لنفسه، ومع ذلك فإني قد حاولت جهدي ألا ألتزم بالعَرْض المُجَرَّد مُكتفيًا بذكر الوقائع بعيدًا عن المدح فضلاً عن المبالغة فيه.

وبداية أود أن أشير إلى أن الشيخ ياسر برهامي وعددًا كبيرًا مِن المُشتغِلِين بتدريس العقيدة -بعضهم مِن تلاميذ الشيخ ياسر برهامي، وبعضهم مِن غيرهم، بل إن منهم مَن لم يَلْقَ الشيخ ياسر برهامي ولا يعرف عنه إلا اليسير- يُدَرِّسون كتاب "منة الرحمن". وأما كون الشيخ ياسر برهامي -فضلاً عن غيره- لا يُدَرِّس إلا "منة الرحمن"؛ فأَمْرٌ عارٍ تمامًا مِن الصحة، وبمطالعةٍ يسيرة لـ"السلاسل الصوتية" المسجلة للشيخ على شبكة الإنترنت ستجد شرحًا لكتاب "فتح المجيد"، وشرحًا لـ"معارج القبول"، وآخر لـ"الواسطية"، وغيرِها مِن كتب العقيدة... وبهذا يتبين أن طرح السؤال بهذه الصيغة فيه قـَدْرٌ من التـَّجَنـِّي!

ويبقى الجواب عمَّن يطرح سؤاله بصيغة: "لماذا تـُدَرِّسون كتاب منة الرحمن؟!":

والجواب عن هذا السؤال يحتاج مِن السائل أن يبيِّن لنا وَجْهَ الغرابة التي مِن أجلها سأل هذا السؤال... أيَستغرِب مَبدأ تأليف الكتب؟! أم يَستغرب أن يقوم الشخص بتدريس كتابٍ مِن تأليفه؟! أم يستغرب أن يقوم التلاميذ بتدريس كتابٍ مِن تأليف شيخِهم؟! أم أنه لا يوافق على بعض الأفكار التي جاءت في الكتاب؟؟

في الواقع: إن كل الاحتمالات -باستثناء الاحتمال الأخير- تبقى أسئلةً غيرَ موضوعية، أو يبقى استغرابُ صاحبها في غير مَحَلـِّه؛ لأن هذا يَفعله المشتغِلون بالتعلُّم والتعليم والتدريس على مَرِّ العصور!

ولمزيد مِن توضيح الصورة دَعْنـَا نتتبع تاريخ التصنيف في العلوم عبر التاريخ، والذي يمكن تقسيمه إلى المراحل التالية:

- مرحلة ما قبل شيخ الإسلام "ابن تيمية" -رحمه الله-: والتي شَهِدَتْ تدوينَ المؤلـَّفات في العلوم الرئيسة؛ مِن التفسير، وجمعِ كتب السُّنـَّة، وجمعِ روايات السيرة، وجمعِ الأحاديث المتعلِّقة بالعقائد، ثم ترتيبِ الفقه على المسائل.

- مرحلة شيخ الإسلام "ابن تيمية": والتي تَمَيَّزت بعِدَّة أمور على مستوى الأسلوب والموضوعات والترتيب؛ فأَكْثـَرَ مِن الاهتمام بالقضايا مَحَل البحث والجَدَل؛ مِن الكلام على الصفات والقدَر، وردِ البدع فيهما، كما ردَّ على العقلانيين والشيعة والصوفية، وأفرَدَ كثيرًا مِن المسائل بالبحث في رسائلَ أو فتاوىً اعتـُبِرَتْ بمنزلة الرسائل.

وأتى مِنْ بَعدِه تلميذُه "ابن القيم" -رحمه الله-، فـَشَارَكَ شيخَه في صياغة أفكاره، وفصَّل كثيرًا مما أَجْمَلـَهُ شيخُه، مستخدِمًا أسلوبَه الخاصَّ في الصياغة والجمع والترتيب. ولكنْ على أيَّة حال صارت هذه مدرسةً مستقلةً في التأليف، ونفع الله بكتب هذه المدرسة نفعًا عظيمًا.

- ثم جاءت مرحلة الصحوة الإسلامية في أوائل القرن العشرين: لتَشهَدَ مدرسةً جديدةً في الجمع والترتيب، كان أبرز رموزها "مُحِب الدين الخطيب"؛ الذي اعتنى بنشر رسائل شيخ الإسلام في القضايا المختلفة، والتي عن طريقها تـَشَكَّل العقل الصَحْوِيُّ في مصر، بل في المنطقة العربية مِن العالم الإسلامي، وأَثـْرَى الشيخُ مُحِبُّ الدينِ الخطيبُ المكتبةَ الإسلاميةَ برسائلَ مِن تأليفه هو؛ سار فيها على منوال شيخ الإسلام في رسائله، بَيْدَ أنه استخدم لغةً أقربَ إلى لغة مثقفي عصره؛ مما كان له أكبرُ الأثر في انتشار المنهج السلفي -بحمد الله-.

ومع انتشار الحركة الإسلامية بَرَزَ عددٌ كبيرٌ مِن المؤلفين الذين أعادوا صياغةَ كتب التراث بلُغة معاصرة، أو جمعوا شتاتَ مسائلَ لم تكن مجموعةً؛ كما حصل في قضية المرأة التي مَثـَّلت إحدى القضايا الملتهبة في "الصراع الإسلامي العَلماني"؛ مما دفع معظمَ هؤلاء الرموز إلى الكتابة فيها.

وكذلك قضايا شمولية الإسلام وصلاحيتِه لكل زمان ومكان، وقضايا الغزو الفِكْري، وغيرُها مِن القضايا.

- ثم جاءت مرحلة الصحوة الإسلامية المعاصرة في أواسط السبعينات: والتي استفادت مِن كل التراث السابق، لا سيما ما كان أقربَ عهدًا بزمانها، وقامت بتَدَارُسه وتدريسه، وفي هذه الأثناء -كما هي سنة الحياة- تكونت لدى رموزِ هذا الجيل رؤىً تأليفيةٌ؛ ما بين تجميعِ مُتَفـَرِّق أو تقريبِ صعب أو رَدٍّ على شبهة مستحدَثة، وكانت مِن أبرز الأمثلة على ذلك سلسةُ "عَودة الحجاب" للشيخ "محمد إسماعيل" -حفظه الله-، كما رصد ذلك الشيخ "أسامة حافظ" في مَقالته "الأزهر... وعودة الحجاب" ـوالذي نشرته جريدة المصريون بتاريخ 19/10/2009م-:

"منذ قرابة الثلاثين عامًا وعندما كانت الصحوة الإسلامية في الجامعات في أَوْجِها اشتهر بين الشباب مِن الكتب التي تناولت مسألةَ الحجاب ثلاثةُ كتب: كتابُ "الحجاب" للأستاذ المَوْدُودَي، وكتابُ "حجاب المرأة المسلمة" لمُحَدِّث الشام الشيخ الألباني، وكتابٌ لابن تيمية في "تفسير سورة النور". وكان لهذه الكتب الثلاثة رَوَاجٌ واسعٌ بين شباب وشابات الصحوة؛ لِمَا لقضية لِباس المرأة ومَظهرِها الإسلاميِّ وسَمْتِها مِن اهتمام.

ثم كان أن كَتب الأستاذُ "البُوطِي" -عميد كلية الشريعة السورية الأسبق- كُتَيِّبًا شديدَ الجمال والإمتاعِ يُسمَّى "إلى كل فتاة تؤمن بالله"، ذاع صيته وأصبح منتشرًا بين بناتنا؛ لبساطته وجمالِ عرضه وصدقِ منطقه.

الصفحة التالية