كتاب "منة الرحمن" لماذا؟
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج العلمي
قد يكون هناك مَن كَتب في هذا الأمر غيرُهم، ولكنَّ هذه الكُتبَ الأربعةَ كانت الأكثرَ قبولاً وتأثيرًا بين الشباب، ثم... وبين هؤلاء الفطاحل وكتبِهم ظهَر كتابُ الأخ "محمد إسماعيل المُقـَدَّم": "عودة الحجاب" بأجزائه الثلاثة. الْحَقُّ أنه كان كتابًا فريدًا في بابه حاز قبولاً مُذهِلاً صرف أكثرَنا مِن شباب الصحوة بطوائفه المختلفة عن هذه الكتب -سالفة الذكر- إليه بما جمع مِن مزايا ما تناوله سابقوه بصورة سَلِسَة عَذبَة مُؤَصَّلةٍ تأصيلاً علميًّا رصينـًا.
كان "محمد إسماعيل" في ذلك الوقت شابًّا لا طاقة لِمِثله أن يزاحم مَن أشرنا إليهم...! ولكنَّ كتابَه هذا استطاع أن يَحفِرَ لنفسه مكانـًا بين كتب هؤلاء العلماء الفـَطاحل، بل ولا أبالغ إن قلتُ: إنه تفوق عليهم في مجال تفوقهم، وأصبح الكتاب قِبلةَ راغبي دراسة هذا الباب مِن أبواب العلم من شتي مناحيه واتجاهاته، مُشْبِعًا كلَّ التوجهات ومدارسِ البحث" اهـ .
ومِن المؤلـَّفات الجديدة التي حفرت لها مكانًا بارزًا في مجال الأصول كتابُ "الواضح" للدكتور "محمد سليمان الأشقر" -رحمه الله-؛ وهو كتاب استطاع أن يَجمع بين الوضوح والرَّصَانة اللذيْنِ استعصى الجمعُ بينهما على معظـَم مَن سَبَقه بالتصنيف في علم الأصول.
وفي علم السيرة كتابُ "الرحيق المختوم" للمُبَارَكْفـُورِي -رحمه الله-؛ وهو مِن المؤلفات الحديثة المُبَكِّرة نسبيًّا، ثم "وقفات تربوية مِن السيرة النبوية" للشيخ "أحمد فريد" -حفظه الله- في المرحلة المتأخرة، وللشيخ أيضًا في علم السلوك كتابُ "البحر الرائق"؛ والذي أغنى عن مختصرات "الإحياء" إغناءها هي عن "الإحياء".
وكذلك في مجال الأذكار "صحيح الكلم الطيب" للعلامة "الألباني" -رحمه الله- في المرحلة المبكِّرة من الصحوة، و"النصيحة" للشيخ "محمد إسماعيل" -حفظه الله- في المرحلة المعاصرة منها.
وكذلك كان كتابُ "الضوابط الشرعية للألعاب الرياضية" للشيخ "سعيد عبد العظيم" -حفظه الله- تطبيقًا لقواعد أبواب المسابقة على الألعاب الرياضية المعروفة في زماننا، كما كان كتابُه "وعاشروهن بالمعروف" علاجًا لأحد أكبر المشاكل الاجتماعية خطرًا على مجتمَع المُلتزِمينَ الجُدُد؛ الذي أفرط كثيرٌ مِن أفراده في مطالبة مُعَاشريهم -لا سيما الزوجات- بالمثالية مع أنهم ليسوا كذلك مع أنفسهم!
والأمثلة على ذلك لا تحصى -والحمد لله رب العالمين-.
وعلى أَيَّة حال فإن المُؤَلـِّف متى كان يمثل إضافةً إلى ما كُتِبَ في بابه -مِن جهة التقريب، أو مِن جهة الجمع، أو مِن جهة الترتيب- فإنه يَعِيش ويُقـْبِل المشتغِلون بالعلم عليه، وأما ما كان على خلاف ذلك؛ فإنه يُولد ليَموت، وربما وُلِد مَيِّتـًا!
وإذا رجعنا إلى باب العقيدة -والذي ينتمي إليه كتابُ "منة الرحمن" موضعُ السؤال- وتتبعنا تاريخَ التصنيف فيه سنجد أن كتاباتِ ما قبل "ابن تيمية" غلَب عليها جَمْعُ أحاديثَ وآثارٍ متعلِّقةٍ بالعقائد كما جُمِعت أحاديثُ الأحكام، وقد تميَّز جَمْعُ المُصَنـِّفين في العقيدة عن جَمْعِ غيرهم مِن جامعي الكتب الستة وغيرِهم بأنهم اهتموا بالآثار عن الصحابة والتابعين وتابعيهم؛ لإثبات التزام السَّلَف في فـَهمهم للعقيدة بما ثبَت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ ومِن هذه الكتب: "التوحيد" لابن خُزَيْمَة، و"أصول اعتقاد أهل السنة" للاَّلِكائي، و"السُّنـَّة" لابن أبي عاصم.
ومع هذا وُجِدَتْ رسائلُ لَخَّصَتْ اعتقاداتِ أهل السنة بطريقة نَثـْريَّة؛ مثل: "السُّنـَّة" للإمام أحمد، و"الرد على الزنادقة والجهمية" له، و"السنة" للبَرْبَهَارِي، وكذلك عقيدة الطـَّحَاوِي المعروفة بـ"الطحاوية" (1) .
ثم جاء شيخ الإسلام "ابن تيمية" وكَتب مُقرِّرًا ومناقشًا ومناظرًا في ذات الوقت الذي يستدل فيه بما صح سندُه مما في كتب الحديث وكتبِ العقيدة المُسْنـَدَة.
ثم جاء شيخ الإسلام "محمد بن عبد الوهاب" فجَمَعَ الأدلةَ المتعلقةَ بتوحيد الإلهيةِ وما يُعارضه مِن الشرك فيها بأنواعه: الأكبر والأصغر، وأودَعَها كتابَه "التوحيد" (2) .
كما صنـَّف الشيخُ "حافظ حَكَمِي" كتابَه الرائعَ "معارج القـَبُول"؛ والذي جَمَعَ فيه مسائلَ العقيدة محاولاً استيفاءَ أبواب الإيمان الستة، ومُدَعِّمًا كلامَه بالأدلة مِن القرآن والسنة، ومُعتمِدًا على أصول كتب الحديث وعلى كتب العقيدة المسنـَدة. وكان استقصاءُ أدلة المسائل غرَضًا واضحًا له؛ بحيث لو قلتُ: إنه لم يَفـُتـْهُ منها شيءٌ لـَمَا كنتُ مُبالغـًا؛ مما دَفـَعَ المُعتنِينَ بتدريس العقيدة في أوساط الصحوة -لا سيما السلفيين- إلى الاعتماد عليه جنبًا إلى جنب مع "فتح المَجيد" (3) ، وربما اعتمدوا على "شرح الطحاوية" لابن أبي العِزِّ الحَنَفِي.
بينما راجَ للمستويات الأقل كتابُ "أعلام السُّنـَّة المَنشورة في اعتقاد الفرقة الناجية المَنصورة" للشيخ "حافظ حَكَمِي" أيضًا؛ والذي اشتهر باسم: "200 سؤال وجواب في العقيدة"، ومعه كتاب "تطهير الجَنان والأركان عن دَرَن الشِّرك والكُفران" للشيخ "أحمد بن حَجَر آل بُوطـَامي".
وراجَ أيضًا كتاب "الإيمان" للدكتور "محمد نعيم ياسين" كبديل أكثر اختصارًا لمعارج القبول، بَيْدَ أن المنزلة التي احتلها كتابُ "محمد نعيم ياسين" قد نازَعَه فيها بقوة بعد ذلك مِن الكتب المعاصرة "الثمراتُ الزَّكية" للشيخ أحمد فريد، ومجموعة "العقيدة في ضوء الكتاب والسنة" للدكتور "عمر سليمان الأشقر" (4) .
الخلاصة: إن طابورَ التصنيف مستمرٌّ مُتـَّصِلٌ في الأمة ما استمرَّ طلبُ العلم، وكُلُّ جِيل يُضيف إسهاماتِه؛ التي تدور -كما أسْلَفـْنا- حولَ تقريبِ صعب أو جَمْعِ مُشَتـَّت أو الرَّدِّ على ما استـُحدِثَ من بِدَع، وقد ضربنا لذلك أمثلةً في العلوم بصفة عامة وفي العقيدة بصفة خاصَّة.
وساهم الشيخُ "ياسر برهامي" في ذلك بشروح صوتية لكثير مِن كتب السابقين؛ لا سيما "فتح المَجيد" و"معارج القـَبول"، وبكتاباتٍ كان أبرزها كتاب "فـَضْل الغـَنِيِّ الحَمِيد"، وكتاب: "مِنـَّة الرحمن".
فأين موضِع الإنكار إذنْ؟!