شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

كتاب "منة الرحمن" لماذا؟

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج العلمي

(1) قام العلامة "ابن أبي العِزِّ الحنفي" فيما بَعد بشرح هذه العقيدة، واستفاد مُعظمَه مِن كلام شيخ الإسلام "ابن تيمية"، ولكنه أسْرَفَ في استخدام المَنطق؛ فصارت فيه صعوبةٌ تَفوق تلك المَوجودة في كتب "ابن تيمية" نفسِه.

هذا وقد حاول كثيرٌ مِن المُعاصرين تَخليصَه مِن تلك الصعوبة؛ فمنهم مَن اختصَره مع بَقاء صعوبته، ومنهم مَن خَلَّصَه مِن صعوبته ومِن فوائده أيضًا! بَيْدَ أن الشيخ البَرَّاك -حفظه الله- شَرَحَه شرحًا مُستقلاً سَلِسًا رائعًا.

(2) للكتاب شروحٌ كثيرة أشهرُها "فتح المَجيد" للشيخ "عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ" حَفيد المُؤَلـِّف، وما زال يَخرج في كل يوم شرحٌ جديد له، وكان مِن أجْوَدها شرحُ الشيخ "ابن عثيمين"؛ والذي اعتنى فيه ببعض ما أهمله الشيخ "عبد الرحمن بن حسن"؛ كشرح مسائل الباب، والاستطرادِ في الفوائد، والعنايةِ ببعض المسائل التي أثارت جَدَلاً للمُهتمِّين بتراث شيخ الإسلام "محمد بن عبد الوهاب"؛ كـ"مسألة العذر بالجهل". كما كتب الشيخ "صالح بن عبد العزيز آل الشيخ" شرحًا مختصرًا له.

وللشيخ "ياسر برهامي" أيضًا كتابُ "فضل الغني الحميد... تعليقات مُهمة على كتاب التوحيد"؛ وهو كتاب وَثيق الصِّلة بكتاب "فتح المَجيد"؛ حيث فـَصَّلَ في بعض القضايا التي أجْمَلَها "فتح المَجيد" بينما أجْمَلَ ما فصَّله؛ لا سيما قضايا: "الحكم بغير ما أنزل الله"، و"الولاء والبراء"، ومسألة "ما يَثبت به حُكْمُ الإسلام"، ومسألة "العُذر بالجَهل"، وقد قام الشيخ "أبو إدريس محمد عبد الفتاح" بالمَزج بينه وبين "فتح المجيد"، كما حَقـَّقَ أحاديثـَهما.

(3) عندما كان الشيخ "ياسر برهامي" يَتولَّى تدريسَ مادة العقيدة بـ"معهد الفـُرْقان لإعداد الدُّعاة" كان يَقوم بتدريس "فتح المجيد" ثم "معارج القبول"، وكان يَضُم إلى "فتح المجيد" "فضلَ الغني الحميد"؛ ليُفـَصِّل في قضايا: "الحكم بغير ما أنزل الله"، و"الولاء والبراء"، ومسألة "ما يَثبت به حُكْمُ الإسلام"، ومسألة "العُذر بالجَهل"، وغيرِها مِن المسائل التي ثـَار الجَدَل كثيرًا حَولَها في أوساط الصَّحْوَة، وكان هذا المَنهج يَستغرِق أربعَ سَنـَوات دِراسيَّة.

ويُمكن اعتبار "منة الرحمن" مَتنـًا شُروحُه هي هذه الكتب الثلاثة؛ يَعتمد عليه خِرِّيجُو المَعهَد وغيرُهم مِن طلبة العلم في التدريس للمبتدئين في طلب العلم، ولم يَكن الشيخ يَقوم بشرحه بنفسه؛ مُكتفيًا بالشرح المُسْهَب لهذه الكتب الثلاثة.

ثم لَمَّا صار الشيخُ يُدَرِّسُ العقيدةَ في مَسجده بدون الالتزام بالسنوات الأربع التي كانت تـُقيِّد طالبَ العلم قام بشرح "منة الرحمن"، وَوَجَدَ الفرصةَ سانِحةً لتدريس رسائلَ أُخَرَ كثيرةٍ؛ مثل: "الواسِطيَّة"، و"الفـُرْقان بَين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان"، وغيرِها مِن الكتب؛ وهذا مما يَنفي تمامًا حدوثَ تَمَحْوُرٍ حول الكتاب، وأما انتشار تدريسه بين المبتدئين في طلب العلم؛ فله أسبابُه، وتأتي في سياقها -إن شاء الله-.

(4) ما ذكرتـُه مِن كتب إنما كان بناءً على ما شاع تدريسُه في بلادنا، وبالطبع توجد كثيرٌ مِن الكتب المُناظِرةِ لِمَا ذكَرْنا.

(5) الصياغة وإن كانت للشيخ "عبد الرحمن عبد الخالق" إلا أنها لاقت قـَبولاً عامًّا لدى جُمُوعِ السلفيينَ، واعتمدتـْها "الدعوة السلفية" في الإسكندرية كإطار مُناسِب لشرح قواعدِ المَنهج السلفي.

(6) للدكتور "محمد يُسري" رسالةٌ مُشابِهةٌ جديدةٌ جيدةٌ في هذا المِضْمَار بعنوان: "دُرَّة البَيان في أصول الإيمان" تَأنـَّق فيها في الصياغة والترتيب، وإن كان قد اقتصر فيها على أصول الإيمان ومناهجِ الاستدلال دون السلوك. وقال في مقدمته لها:

"ولَمَّا كان الأمر كذلك استخرتُ الله -تعالى- في ورقاتٍ تَحوي خلاصةً مفيدةً؛ لتكونَ بمَثابة مَتنٍ يَجمعُ أصولَ الإيمان ومهماتِ العقيدة، متضمنةٍ تنبيهاتٍ على ما يَنقصُها أو يَنقضُها، وإشاراتٍ إلى ما ارتبط بها مِن قضايا ومسائل، ومَا تعلـَّق بها -في هذا العصر- مِن نوازل...".

وقد قدَّم لها مَجموعةٌ مِن العلماء والدعاة؛ منهم الدكتور "عبد الله شاكر الجنيدي"؛ والذي قال في تقديمِه لها:

"وهذه الرسالة التي كُتبت بأسلوب بَلاغيٍّ جميل رسالةٌ قـَلَّ نظيرُها عند الأولين؛ ذلك أنَّ علماءنا -رحمهم الله- وإنْ كتبوا الكثيرَ إلا أنه لا يوجد مُختصَر جامعٌ ومفيدٌ بهذا العَرْض والأسلوب، احتوى على جُلِّ مسائل الاعتقاد؛ لِيُسَهِّلَ على القارئ حِفظـَه أو لِيَدْفـَعَه إلى كثرةِ النـَظـَر فيه ومراجعتِه...".

كما أن للدكتور "ناصر عبد الكَريم العَقـْل" رسالةً جديدة نسبيًّا أيضًا في هذا الباب بعنوان: "مُجْمَل أصول أهل السنة والجماعة في العقيدة".

وليَكن مَعلومًا أن الأمر يَتسع لهذه الأطروحات ولغيرِها، ونحن لا نـُنكِر بل نـُرَحِّبُ بكلِّ إضافة بَنـَّاءةٍ، أما إذا اعترض علينا بعضُ مَن لا يَعرف تاريخَ نشر كُلٍّ مِن هذه الرسائل -وليس منهم مؤلـِّفوها الأفاضل بلا شك- بأنها كانت تَكْفي عن "منة الرحمن"؛ فالجواب أنه سابق عليها كلـِّها في تاريخ نَشره.

(7) العجيب أن مُعظـَمَ هؤلاء مِمَّن يُسقط أحكامَ الوِلايَة الشرعيَّة على الدولة المَدنيَّة، ويَغلو في طاعتها، ويرى أنَّ الاعتراضَ على أيِّ شيءٍ صادرٍ عن هيئاتها نوعٌ مِن الخروج على الحاكم! وكتاب "منة الرحمن" وكتاب "فضل الغني الحميد" كًلٌّ منهما حاصل على تصريح مِن الأزهر؛ أفـَلا يُعَدُّ الهجومُ عليهما خُروجًا؛ بناءً على مَنهجهم الذي جَعَلَ بعضَهم يَمتنع مِن الرَّدِّ على الأشَاعِرَة والصُوفِيَّة، ويَتبنـَّى القولَ بِحِلِّ فوائد البنوك رغم تصريحِه بأنه خلافُ مَذهَبِه! لِمَا ظـَنـَّهُ طاعةً واجبةً لِوَلِيِّ الأَمْر؟!!

الصفحة السابقة