شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

كتاب "منة الرحمن" لماذا؟

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج العلمي

أظن أنه لا يَصلح أن يكون التأليف مِن حيث المبدأ مَحَلاًّ للإنكار! ولكنْ يُمكن لقائل أن يقول: إنك قد ذكرتَ أنَّ كلَّ مؤلـَّف لابد أن يُمثـِّل إضافةً؛ فما هي الإضافةُ التي مَثـَّلَها كتابُ "منة الرحمن"؟؟

وعلى الرغم مِن أن الجواب عن هذا السؤال يأتي بطريقة عَمَليَّة، ومِن كيفية استقبال المشتغِلين بالعلم والدعوة واستفادتِهم مِن الكتاب؛ إلا أننا نـُجيب عن هذا السؤال بما يلي:

1- الإحالة إلى كتب "ابن تيمية" في أبواب الفِكْر والعقيدة كان كافيًّا لفترة مَا، ولكنه أصبح غيرَ مناسِب لأفهام الكثيرين مِن الشباب "حَديث الالتزام" المُقبِل على طلب العلم، بالإضافة إلى ظهور عِدَّة كتابات تنتمي لاتجاهات مختلِفة تُحاول تفسيرَ كلام "ابن تيمية" ليُوافِق مَناهجَها؛ ومنها تياراتٌ تَكفِيريَّة أو ذاتُ نَزَعاتٍ تَكفِيريَّة.

2- كُتـُبُ العقيدة التي كانت مُتداوَلةً منها ما هو مُطـَوَّلٌ نسبيًّا كـ"فتح المَجيد - معارج القـَبول - شرح الطـَّحَاوِيَّة"، ومنها ما هو مُختَصَرٌ لكنه غيرُ جامع كـ"تطهير الجَنان والأَرْكَان". وكما أن مَتـْنَ "معارج القبول" نَظـْمٌ لا يُناسِب هِمَمَ المبتدِئين في طلب العلم حديثـًا؛ فإن متنَ "الطحاوية" غيرُ مُرَتـَّب على المسائل، ويعود إلى المسألة الواحدة عِدَّة مَرَّات.

3- أَضِفْ إلى ذلك الحاجةَ الماسَّةَ إلى مَتنٍ صغيرِ الحَجْم مُرَتـَّبٍ على أبواب الإيمان مضافٍ إليه معالمُ في مناهج الاستدلال وفي السُّلـُوك؛ بحيث يُمَثـِّل عَرْضًا شاملاً للعناصر التي رأى كثيرٌ مِن السلفيين أنها كافيةٌ للدلالة على منهجهم حينما عَبَّرُوا عن أصولهم العِلمية لـ"الدعوة السلفية" بقولهم: "التوحيد - الاتباع - التزكية" (5) (6) .

4- شَهِدَت كثيرٌ مِن الحركات الإسلامية ذاتِ الأَرْضِيَّة السَّلفيَّةِ استقطابًا حادًّا حول أيِّهما أولى بالمواجهة: مظاهر الشرك القديم -أو كما يسميه بعضُهم شركَ القـُبُور- أم مظاهر الشرك الحديث -أو كما يسميه بعضُهم شركَ القـُصُور-؟؟

وكلُّ فريق يَقرأ كتبَ السابقين قراءةً وَفـْقَ رؤيته... فكان العَرْضُ المتوازِن بين القضيتين في هذا المَتن بَيَانـًا لِمَا ينبغي أن يكون مِن الاهتمام بمواجهة كلِّ الانحرافات العَقـَدِيَّة؛ لا سيما ومظاهرُ شِرك القبور ما زالت تَملأ السَّهْل والوَادي، والعَلمانيون يَعملون بكل دَأب لِعَلْمَنَةِ الأمة، بل لِعَلْمَنَةِ الحركات الإسلامية نفسِها!

5- شَهِدَت "قضية التكفير" و"قضية العذر بالجهل" صراعًا جديدًا لم يكن مُبْرَزًا في المتون السابقة؛ فاحتاج الأمرُ إلى إبرازه في مَتن كهذا.

وإذا كان مِن البَدَهِيِّ أنَّ مؤلـِّفَ الكتاب يُخرجه للناس ثم ليس له أن يَسأل مَن لَمْ يَقرأه: لِمَ لَمْ تقرأه؟ ومَن لَمْ يدرسْه: لِمَ لَمْ تدرسْه؟ فإنه وبنفس دَرَجة البَدَاهَة: لا يَحِقُّ لسائل أن يسأل أحدًا: لِمَ دَرَّسْتَ ما كتبتَ؟ أو أن يسأل مَن اقتنـَع بهذا الكتاب نفسَ السؤال!

مع الأخذ في الاعتبار أن تَأثـُّر الطلاب بشيخهم أمرٌ لا مَفـَرَ منه، ولكنَّ الفـَرْقَ بين هذا القدر المَسموح به والحِزْبِيَّةِ والعَصَبِيَّةِ إنما يَكْمُنُ في الانتصار له على حَقٍّ كان أو على باطل.

كما يَكون في المبالغة في المَدح، وهو ما أهيب بإخواننا في كل مكان أن يتخلصوا مِن هذه الآفة الشيطانيَّة التي ألقى بها الشيطان بيننا؛ حتى صار الجميعُ يَتسابق في مَدح مَن يُحِبُّه أو مَن تعلَّمَ على يديه بصورة يَفتِن بها نفسَه وغيرَه، بل ويَفتِن بها المَمْدُوحَ ذاتَه؛ ثم سرعان ما تَنقلِب إلى مُبَاراة عَصَبِيَّة في المَدِيح؛ الذي سرعان ما يَنقلِب إلى مُبَاراة في ذَمِّ كُلِّ مَن عدا شيخه! وهي آفة تُعانِي منها الحركةُ الإسلامية يَنبغي أن يُسارع جميعُ المُخلِصينَ في علاجها؛ ويَكون العلاجُ ناجِعًا إذا نهى كلُّ شَيخٍ طلابَه عن الغـُلـُوِّ فيه، وذَكَّرَهم بفضائل غيرِه، وأما أن يَشتكيَ كُلُّ واحد مِن الآخرين؛ فلن يزيدَ هذا الطينُ إلا بـِلَّةً.

يَبقى سؤال آخر عن حجم الانتشار الكبير... مِن أين جاء؟!

والجواب: إنَّ ذلك راجعٌ لطبيعة الكتاب ومنهجِ تأليفه الذي أشَرْنا إليه، ولطبيعةِ المؤلـِّف وقربـِه مِن الشباب "حديث الالتزام"؛ حيث يُقدِّم لهم هو وتلامذتـُه هذا الكتابَ كَمَتنٍ مُقتَرَحٍ للتعَرُّف على معالم المنهج السلفي؛ مما جَعَلَ قِطاعًا عَريضًا مِن هذه الشَّريحة يَبحثون عنه وعن شروحه تِلقائيًّا.

يَبقى سؤال أخير يَتعلَّق ببعض ما ورد في هذا الكتاب؛ حيث يَعترض عليه بَعضُهم لا سيما في القضايا الخلافية الشائكة؛ التي مِن أبرزها:

- الحَاكِمِيَّة: حيث يريد الغـُلاة فيها مِن المؤلـِّف أن يُكَفـِّر أعيانَ الحُكَّام المُعاصرين، بينما يَنفِر المُفـَرِّطـُون مِن تَوصيف استبدال القانون الفرنسي بشريعة الإسلام في التشريع العام بأنه كُفرٌ أكبرُ، حتى وإن امتـُنِع عن تكفير المُعَيَّن مِمَّن يَأتي بذلك (7) لشُبهة الجهل والتأويل.

- ومسائل الإيمان والكفر: والتي يَنقسم الناس فيها في كل زمان ومكان إلى طـَرَفـَين وَوَسَط.

- ومسائل الولاء والبراء: والتي يُطالِب بَعضُهم بزيادة جُرْعَتِها، بينما يُطالِب بَعضُهم باختزالها أو حَذفِها!

وإذا كان الأمر كذلك فليُعلَم أن هذا الأمر لا يَتعلق بكتاب ولا بكاتب، وإنما يَتعلق بمَنهَج، وأن المَذكور في الكتاب في هذه القضايا هو -بإذن الله- مَنهجُ أهل السنة، وأما تَفصيل مُناقشة هذه القضايا؛ فهي مَوجودة -بحمد الله- في الشروح الصوتية للكتاب، وفي شَرحِه المَطبوع، وفي غيرِها مِن الكتب لعُلماء ودُعاة الدَّعوة السلفيَّة.

وإنما أرَدنا هنا فقط أن نـُنـَبِّهَ إلى أن "منة الرحمن" ما هو إلا مَتنٌ جَمَعَهُ صاحبُه؛ ليُيَسِّرَ به أمرَ تَدَارُسِ المَنهج السلفي -كما يَعتقده- على المبتدِئين في طلب العلم، وهو في ذلك لا يَختلِف عن أيِّ كتاب آخر.

وأما مَن يُخالِف في القضايا ذاتِها؛ فحوارنا معه خارج نطاق هذه المقالة. نسأل اللهَ -تعالى- أن يُؤَلـِّفَ بين قلوبنا على الحق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصفحة السابقة الصفحة التالية