تحديد النسل وتنظيمه خشية ضيق العيش
الشيخ علاء بكر • الحمل والرضاع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فترجع دعوة تحديد النسل وتنظيمه إلى رأي دعا إليه قس إنجليزي يدعى "مالتوس" في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، ودعا إليها من بعده "فرانسيس بلاس" في فرنسا، والطبيب "تشارلس نوروتون" في أمريكا.
ويرى أصحاب هذه الدعوة أن تكاثر البشر عملية مستمرة يزداد معها السكان بانتظام، مع أن الصالح من الأرض للسكنى والزراعة محدود؛ وهذا يعني -في زعمهم- أن تضيق الأرض مع الوقت بسكانها، ولا يكفي إنتاجها لمعيشتهم؛ وعليه فينبغي تحديدُ النسل، والوقوفُ به عند حد لا يتعداه؛ إنقاذًا للبشرية من الخطر الذي يتهددها وينتظرها.
وقد راجت هذه الدعوة في الغرب، واستجاب لها الكثيرون، وصارت اتجاهًا عامًّا في بلادهم؛ ترتب عليها انخفاض الزيادة السكانية لدى الكثير من شعوب أوروبا، وانتهى القرن العشرين الميلادي وقد مال الغرب إلى معاداة هذا الاتجاه، والمناداةِ بخلافه؛ حيث كَثـُرَتْ في المجتمعات الأوروبية الحالية نسبةُ كبار السن عما ينبغي، وقـَلَّتْ بسبب هذه الدعوة نسبةُ الشباب فيها عما يجب، وضَعُفَتْ معدلاتُ نمو السكان فيها لدرجة تنذر بعواقبَ وخيمةٍ على مستقبل هذه الشعوب.
وفي مقابل ذلك؛ تنمو الشعوب الأُخَر في أفريقيا وأسيا التي لم تستجب إلى هذه الدعوة بدرجة ملموسة نموًّا طبيعيًّا؛ تزداد معه فيها نسبةُ الشباب في المجتمع بصورة ملحوظة. ومما زاد الخطب على أوروبا أنها فقدت عشرات الملايين من سكانها خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية في النصف الأول من القرن العشرين. وقد نقل المفتونون بالغرب إلينا هذه الدعوةَ، وروجوا لها، وزينوها للناس، ووجهوا لها كلَّ طاقاتهم وطائلَ أموالهم؛ لتطبيقها في بلادنا دون تمحيص أو إعادة تقييم للتجربة هناك.
والحقيقة الغائبة عن الأذهان لدى هؤلاء المفتونين بتلك الدعوة أنها دعوة قاصرة قاسَتِ الأمور مِن جانب واحد وضَخَّمَتـْهُ وتَغَاضَتْ عن جوانبه الأُخَر؛ ففـَقدت مصداقيتَها.
فلاشك أن الأرض في تطور مستمر، وتقدمٍ علميٍّ متزايد، بل قد شهدت البشرية مِن القرن الثامن عشر الميلادي إلى القرن العشرين طفراتٍ ضخمةً في شتى ميادين العمل والإنتاج، ولعل "مالتوس" لو عاش أيامَنا لانبهر بها انبهارًا ربما صرفه عما دعا إليه! وليته كان معنا ليذكر لنا رأيه في شعوب أوروبا وهي تسوق الأيدي العاملة مِن أفريقيا للعمل في أمريكا الشمالية كعبيد قديمًا، وكعُقُولٍ مُفـَكِّرَةٍ وأَيْدٍ عاملةٍ ماهرةٍ رخيصةٍ في زماننا الحالي! حتى صارت العمالة الأجنبية المُهاجِرة وجالياتُها في أوروبا مصدرًا للقلق هناك.
والعجب كل العجب ممن يحسب عدد السكان ويتوقعه بعد عقود من السنين قادمة، ثم يوزع ما هو على الأرض الآن من الإنتاج والأرزاق على هذا العدد المتوقع بنظرة تشاؤمية! وهذا مِن اتباع خطوات الشيطان؛ الذي يَعِدُ الناسَ الفقرَ ويأمرهم بالفحشاء.
وقد فات "مالتوس" ومَن تابعوه أن الله -تعالى- هو الرزاق، وهو -عز وجل- لا يُعجزه شيءٌ، خَلَقَ الأرضَ وقـَدَّر فيها ما يكفيها مِن الأقوات؛ قال -تعالى-: ( قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ . وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ) (فصلت:9-10) ؛ فأرزاق العباد بِيَدِ الله -تعالى- وحدَه يعطيها مَن يَشاءُ؛ كيف يَشاءُ، ومتى شَاءَ. والرزق مكفول ومقدَّر قبل خلق الخلق، ومدوَّن في اللوح المحفوظ، ولا يزيده حرصُ حريص؛ قال -تعالى-: ( ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ) (الشورى:27) ، وقال -تعالى-: ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ) (هود:6) ، وقال -تعالى-: ( وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ) (العنكبوت:60) ، وقال -تعالى-: ( اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ ) (الشورى:19) ، وقال-تعالى-: ( اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (آل عمران:37) .
فخزائن الرزق عند الله -تعالى- لا تنفد، ولا تحتاج إلى عَدٍّ ولا حساب... كيف يشاء، ومتى يشاء -عز وجل-. وقال -تعالى-: ( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ . فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ) (الذاريات:22-23) ؛ فالرزق مِن عند الله -تعالى-، وهو اختصاص الله -تعالى- وحدَه لا يشاركه فيه أحد. وتأمل ما صَاحَبَ هذا المعنى المراد تعليمه للبشر مِن أساليب القسَم وأدوات التأكيد: ( فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ )؛ وذلك لما يقع في نفوس البعض مِن الشك في أن الله -تعالى- هو الرزاق، وهو القادر على سَوْق الرزق لعباده... أو ينسون ذلك أو يتناسوه.
إن كلَّ ما ينفقه البشرُ ويستهلكونه اللهُ يُخْلِفـُه متى شاء، وكيف شاء؛ قال -تعالى-: ( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (سبأ:36) ، وقال -تعالى-: ( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ) (سبأ:39) .
ولهذا منع الإسلام قـَتـْلَ الآباء لأولادهم خشيةَ أن يشاركوهم في الرزق فيكون الفقرُ والإملاقُ؛ قال -تعالى-: ( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ) (الإسراء:31) . وتحديد النسل وإن لم يكن قتلاً لروح موجودة بالفعل؛ فإنه سَعْيٌ لمنع وجود هذه النفس؛ للسبب نفسِه؛ وهو خشية أن يَطـْعَمَ معه فيوقعه في ضيق العيش! فاتفقت دعوةُ تحديد النسل خشيةَ الفقر مع قتل الأولاد خشيةَ الإملاق في السبب... وهذا أسوأ ما في هذه الدعوة.