شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تحديد النسل وتنظيمه خشية ضيق العيش

الشيخ علاء بكر • الحمل والرضاع

ومعلومٌ أن كثرةَ النسل -خاصة مِن الذكور- سببُ قوة الأمة ومنعتها؛ فتصير أمةً عزيزةً مرهوبةَ الجانبِ بين الأمم، وقِلَّةَ العدد مظهرٌ مِن مظاهر الضعف والخَوَر؛ ولهذا قال نبي الله شعيبٌ -عليه السلام- لقومه يُذَكِّرهم بنعمة الله -تعالى- عليهم: ( وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ ) (الأعراف:86) .

فكيف نرضى للأجيال القادمة أن يَقِلَّ عددُها بين الأمم بَعْدَ أن يُرَوَّجَ فيهم تحديدُ النسل وتنظيمُه! فيعانون مما تعاني منه دولُ أوروبا الآن؛ مِن ضعف معدلات النمو، وكثرةِ نسبة كبار السن، وقلةِ نسبة الشباب. وقد ذكر لنا القرآن الكريم كيف أن فرعون لما قتل الذكورَ مِن بني إسرائيل عَرَّضَهم للضعف وقلةِ النسل؛ إذ لا تجد النساءُ مِن الذكور ما يكفي للقيام بشئونهن ويحافظ لهن على استمرار النسل فيهن بصورته العادية؛ فكان ذلك كما وصفه القرآن الكريم: ( بََلاءٌ عَظِيمٌ ) يحتاج إلى مَن يُنقذهم منه؛ قال -تعالى-: ( وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) (البقرة:49) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ . وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) (القصص:4-6) .

فكثرة النسل ثروة، وهذه الثروة البشرية مصدرُ القوة في الحروب، ومصدرُ زيادة الإنتاج إذا أُحْسِنَ استخدامُها في حالة السِّلـْم؛ فالإنسان إذا كان يأكل بعض الأرغفة والأطعمة في اليوم فعنده مِن القدرات البدنية ما تجعله ينتج أكثر مما يأكل إذا عمل بجوارحه وفِكْره في الأرض، وهذه مسئولية أولي الأمر والقائمين على إدارةِ شئون المجتمع وقيادةِ الأُمَّة؛ فزيادة الإنتاج بنجاحِ إدارة شئون العباد وحسنِ سياستهم؛ ولهذا نرى أممًا سابقت بقوة اقتصادها الأممَ الأُخَرَ بحسن قيادتها؛ كما في ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية وما كان فيها مِن الهزيمة القاسية.

ولهذا جاءت في السنة النبوية أحاديثُ عديدةٌ تَحُثُّ على التكاثر والتناسل؛ إذ في كثرة الأولاد الخيرُ الدنيويُّ، ويباهي بهم النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- الأممَ يوم القيامة خاصة، وكذلك هذه الأمة في جهاد إلى يوم القيامة، وتتداعى عليها الأممُ في كل زمان؛ تتحين فرصةَ ضعفِها؛ لتستأصلَها أو تستأثرَ بخيراتها. ففي الحديث قال -صلى الله عليه وسلم-: ( تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ؛ والودود: التي تحب الزوج وتحسن عشرته. والولود: كثيرة الوِلادة أو عندها استعداد لذلك؛ ويُعْرَفُ ذلك بخصوبةِ أُمِّها وأخواتِها وحُسْنِ تَبَعُلِهِنَّ لأزواجهن إذا كانت بِكْرًا، أو بتجربتها مع زوجها الأول إذا كانت ثـَيِّبًا. ووصف الولود صيغة مبالغة لا تطلق على مَن لها ولدٌ واحدٌ أو اثنان. وقد دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنس -رضي الله عنه- وكان يعمل في خدمته؛ فقال: ( اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ ) (متفق عليه) ؛ فكان مِن أكثر الصحابة وَلَدًا وعَقِبًا. ولو كان في كثرة الأولاد ما يرهقه ويفسد عليه دنياه ما دعا له النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا الدعاء.

وتحديد النسل: المراد به قصر عدد الأولاد في الأسرة على عدد محدَّد لا يُزاد عليه؛ كالاقتصار على ولد أو اثنين أو ثلاثةٍ مِن الأولاد في كل أسرة. فمن بلغت هذا العدد استخدمت مِن الوسائل ما يمنع حدوثَ أيِّ حمل، سواء كانت هذه الوسيلة تمنع الحمل منعـًا مؤقـَّتـًا أو منعـًا دائمًا.

وهناك دول تفرض هذا التحديد على رعاياها فرضًا؛ ولو بِعَقـْم الرجال! وهناك دول تكتفي بحرمان ما زاد عن العدد المحدَّد مِن الأولاد مِن مزايا إخوتِه؛ فلا يتعلم التعليمَ المجانيَّ، وتُحْجَبُ عنه العديدُ مِن الخدمات والرعايات التي تُقـَدَّم لغيره! وذلك لإجبار الآباء والأمهات على تحديد النسل مِن تلقاء أنفسهم.

أما تنظيم النسل: فيُراد به حَثُّ الزوجات على المباعدة بين الحمل والآخر بأطول فترة ممكنة باستخدام وسائلِ منع الحمل؛ بدعاوَىً متعددةٍ يُرَوَّج لها بين الزوجات لإقناعهن بذلك؛ فيساهم ذلك في تقليل أولادهن، وإن لم يبلغ مرحلةَ التحديد. وهي طريقة تطبَّق في الأوساط التي لا تستجيب الاستجابةَ المطلوبةَ لتحديد النسل؛ فيُستعاض عن تِلْكَ بهذه؛ مساهمةً في تقليل فرصِ الحمل والولادة وكثرةِ الأولاد. وغالبًا يُرَوَّج في الدول للطريقتين معـًا بحسب طبيعة الوسط الاجتماعي.

ولا يخفى أن هناك من الحالات الصحية والمرضية ما تحتاج معه المرأة إلى تحديد نسلها أو تنظيمه؛ كمرض الزوجة بمرض يتفاقم ضررُه بالحمل أو يهدد حياتها، أو تحتاج لتأخير الحمل بعد وِلادة قَيْصَرِيَّة يحتاج بعدها الرَّحِمُ -بعد شَقـِّه لاستخراج الجنين- لسنتين أو أكثر لاستعادة عافيتِه وقدرتِه على الحمل من جديد، ونحوِ ذلك... وهي حالاتٌ خاصة استثنائية يُقَرِّرها أهل الاختصاص، وهذه الاستثناءات لا يصح أن تُجْعَلَ ذريعةً لجَعْل الاتجاه العام داخل الدولة هو الدعوة إلى تحديد النسل وتنظيمِه، وتُسَخَّر له وسائلُ الإعلام المختلفة والأموالُ الطائلة.

والإسلام عندما يَحُثُّ أتباعَه على زيادة نسلهم وتكثيرِ عَدَدِهم إنما يريد بذلك قوةَ المجتمع، ولا يكون ذلك إلا بحسن تربية الأولاد، وتنشئتِهم نشأة طيبة، وحسنِ إعدادهم لنفع المجتمع؛ وهذه مسئولية الآباء والأمهات. إذ فـَقـْد هذه التربية يعني ضعفَ المجتمع، حتى وإن قَلَّ أفرادُه عَدَدًا، وكَثـُرَتْ ثرواتـُه كَمًّا! ولو أُحْسِنَ إعدادُ النشء لكانوا قوةً يُعتَدُّ بها، حتى وإن كان فقيرًا قليلاً.

الصفحة السابقة الصفحة التالية