تحديد النسل وتنظيمه خشية ضيق العيش
الشيخ علاء بكر • الحمل والرضاع
وكلما أُحْسِنَ الإعدادُ وكَثـُر العَدَدُ كانت القوةُ والمَنَعَةُ في ازدياد؛ فزيادة العدد مطلوبة، وحُسْنُ التنشئة مطلوبٌ، وكِلا الواجبَينِ ينبغي الحرصُ عليه والإتيانُ به.
أما القلق الذي يُثار بأن زيادة السكان لا يقابلها زيادةُ إنتاج؛ فهذا تقصير وعجز مِن المجتمع ينبغي علاجُه بدوائه، لا بتحديد النسل وتقليله! والبشر ليسوا سلعةً مِن السلع تَخضَع للعرض والطلب؛ فيَزداد إنتاجُها في زَمَن ويُحَدُّ منه في آخر! وبلادنا -وغيرها- فيها مِن الخيرات والموارد والثروات الكثير مما جعله الله -تعالى- لعباده، ولكنه في بلادنا لا تُستغـَل الاستغلالَ الأمثلَ بتقصير مِنـَّا ونقصِ هِمَّةٍ وسُوء تدبير وإدارةٍ... وهذا لا يَخفى على مُتَأَمِّل!
فمصر التي أنعم الله علينا بالتواجد فيها حباها الله -تعالى- بمواردَ وخيراتٍ كثيرةٍ جدًّا... قديمًا وحديثـًا، وعُرِفـَت بذلك مِن قديم الزمان، وقد ذكر لنا القرآن الكريم كيف أن جيران مصر كانوا ينتفعون مِن خيراتها في أوقات مَجاعتهم؛ فيأتون إليها يأخذون منها كفايتَهم؛ فهذا نبيُّ اللهِ يوسفُ -عليه السلام- يقول لإخوته -وهو عَزيز مصر، وهم يطلبون الميرة لأهلهم-: ( أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ) (يوسف:59) .
وها هو الإمام السيوطي يذكر في كتابه "حسن المحاضرة": "إن مصر كانت على جانبي النيل مُدُنـًا متقاربة كأنها مدينة واحدة، والبساتين خلف المدن متصلة كأنها بستان واحد، والمَزارع مِن خلف البساتين"، "وأن المرأة على جانبي النيل كانت تخرج حاسرة -أي كاشفة رأسها- لا تحتاج إلى خمار لكثرة الأشجار، وأنها كانت تضع على رأسها المِكْتل فيمتلئ بالثمَر مِن كثرة ما يتساقط مِن الشجر"، فما بَخِلَتْ أرضُ مصرَ بعطائها إن كان في أهلها الهمةُ والعملُ والإنتاجُ، لا التقاعسُ والخُمولُ وإضاعةُ الأراضي الزراعيةِ وإهمالُ الثرواتِ والمَواردِ.
ولننظر إلى بلادنا على ما نحن فيه: كم هي كثيرةٌ الثرواتُ والمواردُ تحتاج إلى مَن ينتفع بها! فهذه الصحراء الشاسعة بِطاقتها الشمسية، وهذه الأراضي في الصحراء الغربية والساحل الشمالي مما كان يُزرَع في عهد آبائنا الأقدمين، ثم تَصَحَّرَتْ! وكانت تـُنتِج الحبوبَ والمحاصيلَ بوَفرة! وتحتاج الآن إلى مَن يُعيد استصلاحَها وزراعتَها. ومعلومٌ أن أكثر من 90% من أرض مصر غيرُ مأهولة، ويَتَرَكَّز عشراتُ الملايين مِن السكان على شَريط ضَيِّق على ضِفاف النيل؛ جعلت أرضه الزراعية للبناء والعمران، لا للزراعة والإنتاج! ويؤكد الخبراء أن أرض سيناء يمكن أن تَستوعب أكثرَ مِن مليونين مِن السكان يقومون بزراعة المساحات الكبيرة فيها بمياهها الجوفية، إلى جانب استخراج ثرواتها المعدنية وموادها الخام الوفيرة، إلى جانب العمل في استخراج البترول ومشتقاته.
وما ذكرناه قليلٌ يَعرِفه القاصي والداني، وهناك تفاصيلُ كثيرةٌ يَعلمها أهلُ الاختصاص كُلٌّ في تخصصه؛ خاصَّةً مع التقدم العلمي المُذهِل في ميادين الزراعة والصناعة والإنتاج الحيواني والهندسة الوراثية؛ الذي يزيد مِن الإنتاج ويُضاعفه. فكيف عَجَزَتْ عقولـُنا وهِمَمُنا عبر عقود طويلة عن اقتحام هذه الميادين الفسيحة! واكتفينا ببذل الوقت والجهد -ونحن في أماكننا لا نتحرك- مِن أجل تقليل السكان والحَدِّ مِن النسل! ونرى في ذلك عِزَّنا وقـُوَّتَنا! فلم نـَجْنِ إلا الأوهامَ والأمانيَ الزائفة.
وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم.