معانٍ إيمانية يغرسها الإسلام في نفوس أبنائه (خطبة مقترحة)
الشيخ أحمد فريد • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فهذه جملة من المعاني الإيمانية الشريفة التي يغرسها الإسلام في نفوس أبنائه نلقي عليها الضوء؛ حتى تزداد رسوخًا في نفوس إخواننا من أبناء الصحوة الإسلامية المباركة.
فمن هذه المعاني الشريفة:
- أن المسلم لا ينبغي له أن يعلق قلبه بغير الله -عز وجل-, ومهما تعلق القلب بغير الله فالتعاسة والشقاء؛ فلا يجوز للعبد أن يعلق قلبه بالمال, أو الجاه, أو السلطان, أو الشجر, أو الحجر, أو بسبب من الأسباب, فهو يأخذ بالأسباب بجوارحه, ويعلق قلبه برب الأرباب, ومسبب الأسباب؛ قال -تعالى-: ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ) (الأنفال:60)، وقال -تعالى-: ( وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) (الأنفال:10) ، وقال -تعالى-: ( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ ) (يونس:107) , فلا يجوز أن يعلق العبد قلبه بمخلوق؛ يرجو منه جلب النفع, أو دفع الضر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( من علق تميمة فقد أشرك ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
فمن علق شيئًا متعلقـًا به قلبه فقد أشرك, ولما قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- بعض مسلمة "الفتح" في غزوة "حنين" -وكانت بعد فتح مكة-: "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط"، والمشركون كانوا يختارون شجرة عظيمة يعلقون بها أسلحتهم, ويطوفون بها, ويتبركون بها, وتتعلق قلوبهم بها قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) إِنَّهَا لَسُنَنٌ لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ سُنَّةً سُنَّةً ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) , فتعليق القلب بغير الله -عز وجل- شقاء في الدنيا والآخرة.
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ ) (رواه البخاري) , والناس لا يسجدون للدينار والدرهم، والخميصة والقطيفة, ولكن تتعلق قلوبهم بالدينار والدرهم إن أعطيَ رضي, وإن منع سخط, ويفرح به أشد الفرح إذا حصل عليه, ويحزن أشد الحزن إذا حرم منه, ويوالي من أجله, ويعادي من أجله, وكذا من تعلق قلبه بشجر, أو حجر, أو طاغوت, أو امرأة, فلابد من حصول هذا الشقاء, ولا يسعد العبد حتى يعلق قلبه بالله -عز وجل- تعلق المحب المضطر, فمنتهى سعادة العبد أن تتم عبوديته لله -عز وجل- حبًا وتوكلاً، ورجاءً وخوفًًا وطمعًا، ويكون الله -عز وجل- هو غاية مطلوبه ومحبوبه؛ بذلك تتم سعادة العبد في الدنيا والآخرة.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة", وقال بعضهم: "لو يعلم الملوك, وأبناء الملوك ما نحن فيه من نعمة لجالدونا عليها بالسيوف", وقال بعضهم: "إنه لتمر بي أوقات أقول إن كان أهل الجنة كما نحن فيه إنهم لفي عيش طيب".
- ومن هذه المعاني الشريفة التي يغرسها الإسلام في قلب أبنائه معنى الحب في الله, والبغض في الله, والموالاة في الله, والمعاداة في الله، فينبغي أن يعلم أنه ليس هناك أحد يُحب لذاته إلا الله -عز وجل-, ومن كمال حبه أن نحب رسله الكرام, وملائكته الأطهار, وعباده الأخيار, وأن نبغض الكافرين, والمبتدعين, والذين يصدون عن سبيل رب العالمين, ومن لوازم هذا الحب أن نوالي أولياءه, وأن نعادي أعداءه.
قال الله -تعالى-: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) (المائدة:55) , وقال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (التوبة:23) , فالموالاة في الله, والمعاداة في الله ليست أمرًا يتكلفه العبد ويفعله بعنت ومشقة, بل من طبيعة الإيمان الصادق محبة المؤمنين وموالاتهم, وبغض الكافرين ومعاداتهم؛ قال الله -تعالى-: ( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ) (المجادلة:22) , فقد أمر الشرع أن يصل المسلم أباه الكافر, ويبره بالنفقة والألطاف الدنيوية, لكن المحبة والموالاة لا تكون إلا لأهل الإسلام.
- ومن هذه المعاني الشريفة الكريمة التي يغرساه الإسلام في قلوب أبنائه أن المؤمن عزيز, والكافر ذليل, وأن العزة لله جميعًا, ولا سبيل إلى العزة إلا طاعة الله -عز وجل-.
كان الإمام أحمد -رحمه الله- يدعو: "اللهم أعزنا بطاعتك, ولا تذلنا بمعصيتك", فالله -عز وجل- هو العزيز, ومن أراد العزة فليطع العزيز, فالمؤمن عزيز, والكافر ذليل, والمنافق ذليل, والمبتدع ذليل, والعاصي ذليل، كلٌ بحسبه. قال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .