معانٍ إيمانية يغرسها الإسلام في نفوس أبنائه (خطبة مقترحة)
الشيخ أحمد فريد • خطبة الأسبوع
ولما قال عبد الله بن أبي بن أبي سلول رأس المنافقين في غزوة "المريسيع": "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل", وكان يظن أنه الأعز, ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأذل -حاشاه الله من ذلك- هو الأذل لُقن درسًا عمليًا قاسيًا تعلم منه أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين, ولكن المنافقين لا يعلمون. لما سمع ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي مقالته الفاجرة شهر سيفه, ووقف على باب المدينة, والصحابة يمرون من تحت سيفه, فلما أراد أبوه أن يدخل قال: "والله لا تدخل حتى يأذن لك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الدخول, وحتى تعلم من الأعز, ومن الأذل", فلما استأذنوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ائذنوا له, فبان بذلك من الأعز, ومن الأذل، فلا أذل لعبد الله بن أبي من أن يمنعه ابنه, وأقرب الناس إليه من دخول المدينة, حتى يأذن له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
فكل من تمرد على شرع الله, وفسق عن أمره ونهيه فهو ذليل, ولو كان أميرًا, أو وزيرًا.
قال الحسن البصري -رحمه الله-: "إنهم وإن طقطقت بهم البغال, وهملجت بهم البراذين إن ذل المعصية لفي رقابهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه".
ومن هذه المعاني الشريفة التي يغرسها الإسلام في نفوس أبنائه أن النصر للمؤمنين, والعاقبة للمتقين، كما قال -تعالى-: ( وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) (الروم:47) , فالمؤمن ينبغي أن يثق بوعد الله -عز وجل-, وبنصر الله -عز وجل-, وقد كان هذا المعنى ظاهرًا جدًا في الصحابة الكرام -رضي الله عنهم-, فقد كان القرآن ينزل بمكة المكرمة يبشرهم بالنصر والتمكين, وهزيمة المشركين, فقد نزل بمكة والصحابة -رضي الله عنهم- يعذبون في ربوع مكة: ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) (القمر:45) , وتحقق هذا النصر يوم الفرقان يوم التقى الجمعان يوم بدر, وهو أول لقاء بين الكفر والإيمان.
ونزل بمكة كذلك: ( غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ ) (الروم:2-5) .
كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبث في نفس الصحابة الأمل في انتصار الإسلام, فكانوا يوقنون بالنصر يقينًا تعجب منه المنافقون, والذين في قلوبهم مرض كما قال -تعالى-: ( إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (الأنفال:49) .
ومن هذه المعاني الشريفة أن الإسلام لا ينكر على المسلم محبة الآباء والأبناء والإخوة والزوجات؛ فهذه محبة فطرية يقرها الشرع ويعترف بها, ولا يجيز للمسلم أن تكون محبته لأبيه, أو لابنه, أو لأخيه, أو لزوجته, أو لتجارته أكثر من محبته لله -عز وجل-, أو لرسوله -صلى الله عليه وسلم-, أو للجهاد في سبيل الله, فقد توعد الله -عز وجل- من يحب ذلك أكثر من حبه لله -عز وجل-؛ فقال -تعالى-: ( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) (التوبة:24) .
الإسلام يعلـِّم المسلم أن لا يعز شيئًا عن الله -عز وجل-, فحب المسلم لله -عز وجل-, ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-, وللجهاد لإعلاء كلمة الله -عز وجل- أكثر من حبه لأبيه، وابنه، وأخيه، وزوجته، وماله, فهو يضحي بكل شيء للوصول إلى رضا الله -عز وجل-, مدح الله -عز وجل- المؤمنين بشدة محبتهم له -عز وجل-, فقال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ) (البقرة:165) .
وعلى هذا الهدي مضى السلف -رضي الله عنهم-, كان الواحد منهم يرحب بأن يندق عنقه, ولا يثلم دينه، هذا خبيب بن عدي أسره المشركون, وعذبوه عذابًا شديدًا, وقالوا له: "أتحب أن يكون محمد مكانك وأنك معافى في أهلك ومالك", فقال: "والله ما أحب أن أكون معافى في أهلي ومالي ويشاك محمد -صلى الله عليه وسلم- بشوكة -أي وهو كذلك معافى في أهله وماله-"، وفي ذلك قيل:
أسرت قـريـش مـسـلمـًا فمضى بــلا وجـــل إلــى الـسـيـاف
سـألـوه هـل يـرضيك أنك سالم ولك النبي فدَى من الإتلاف
فأجاب: كلا لا سلمت من الردى ويصاب أنف محمد بِرُعاف
ولما أرادوا قتله أنشأ يقول:
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا على أي جنب كان في الله مصرعي
ما دام في ذات الإله وإن يـشأ يـبـارك عـلى أشـلاء شـلـو مـمــزع
- قتل يوم أحد زوج امرأة وأبوها وأخوها, فقالت: كيف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقيل لها: هو على خير ما تحبين. فقالت: دعوني أنظر إليه, فلما رأته قالت: لا أبالي يا رسول الله إذا سلمت من عطب.
وهذا المعنى صار غريبًا جدًا في هذه الأزمنة المتأخرة, فالناس اليوم يحبون الإسلام, ويرحبون به, وينتخبونه في أي انتخابات نزيهة, ولكن الاستعداد للتضحية من أجل أن تعلو رايته ضعيف جدًا, أو معدوم في أغلب الأحيان, وراية الإسلام لا ترتفع بأمثال هؤلاء, وصف الله -عز وجل- من يفتح بهم, ويجري الخير على أيديهم؛ فقال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ) (المائدة:54) ، وقال تعالى-: ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا ) (الأحزاب:23) .