شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

التوحيد أولاً

محمد سرحان • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمعرفة الله -عز وجل بأسمائه وصفاته وأفعاله، وألوهيته وربوبيته- هو نعيم الحياة، وراحة القلب، وطمأنينة النفس، وجنة الدنيا، فكلما عرف العبد ربه -تبارك وتعالى-؛ ازداد له حبًّا وتعظيمًا وإجلالاً وعبودية، واستراحت نفسه واطمأن قلبه، وعاش المعيشة الهنيئة السعيدة، ولا تطيب الدنيا إلا بمعرفته وذكره وطاعته، كما لا تطيب الآخرة إلا برؤيته، يقول الله -تعالى- لأهل الجنة بعد دخولهم الجنة: ( تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟! أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟! قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ -عَزَّ وَجَلَّ- ) ثُمَّ تَلاَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ) (رواه مسلم) ، وفي رواية: ( أحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي؛ فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا ) (متفق عليه) .

والمحور الذي يدور حوله القرآن كله هو الحديث عن الله -تعالى- وصفاته، وأفعاله، وحقوقه، وإكرامه لأهل طاعته، وعذابه لأهل معصيته، وهو الحديث الذي يهز النفوس، ويحرك القلوب، ويزيل الأدران والأرجاس التي تحبس الإنسان عن الخير، قال -تعالى-: ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) (الزمر:23) .

"ومعرفة الله، والعلم به هو العاصم من الزلل، والمقيل من العثرة، والفاتح لباب الأمل، والمعين على الصبر، والواقي من الخمول والكسل" "الأسماء والصفات في معتقد أهل السنة" .

ومعرفة الله هو أشرف العلوم؛ لأنه علم بأشرف وأعظم وأجل معلوم -سبحانه وتعالى-.

قال الإمام ابن العربي المالكي -رحمه الله- في كتابه "أحكام القرآن": "شرف العلم بشرف المعلوم، والباري أشرف المعلومات، فالعلم بأسمائه أشرف العلوم".

فأفرض فرض، وأوجب واجب على المسلم في العلم والعمل والدعوة إلى الله: معرفة الله -تعالى-، وتعريف الناس بالله وما له من حقوق، وهو ما يسمى بـ"علم التوحيد" أو "العقيدة"، وهو معرفة أركان الإيمان الستة، وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، وكانت تسمى هذه المسائل على عهد الصحابة الإيمان، قال جندب بن عبد الله -رضي الله عنه-: "فَتَعَلَّمْنَا الإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ؛ فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا" (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) ، وشهرت بعد ذلك باسم: "السنة"، وكانت مؤلفات علماء أهل السنة في تقرير مسائل الإيمان وتعريفها بهذا الاسم كـ"السنة" لابن أبي عاصم, و"السنة" للبربهاري, و"أصول السنة" للإمام أحمد، وغيرها كثير، وأكثر المصطلحات شيوعـًا في هذا العصر: "التوحيد" أو "العقيدة"، ولابد من البداءة بالتوحيد علمًا وتعليمًا ودعوة إلى الله -تعالى-؛ لما ذكرنا، وللأسباب التالية:

1- أنه أول واجب على العباد:

قال الله -تعالى-: ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ) (محمد:19) .

قال الشيخ حافظ حكمي -رحمه الله- في "سلم الوصول":

أول واجــب عـلــى العـبـيـد معرفة الرحمن بالتوحـيد

إذ هو من كل الأوامر أعظم وهو نوعان أيا من يفهم

وعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: ( إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ؛ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ؛ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ؛ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، وفي رواية: ( إلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ -تَعَالَى- ) (متفق عليه) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وقد علم بالاضطرار من دين الرسول -صلى الله عليه وسلم-، واتفقت عليه الأمة أن أصل الإسلام، وأول ما يؤمر به الخلق: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله".

قال الإمام ابن أبي العز الحنفي في مقدمة شرحه للعقيدة "الطحاوية": "فإنه لما كان علم أصول الدين أشرف العلوم؛ إذ شرف العلم بشرف المعلوم، وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع، ولهذا سمى الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- ما قاله وجمعه في أوراق من أصول الدين "الفقه الأكبر"، وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ لأنه لا حياة للقلوب، ولا نعيم ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويكون مع ذلك كله أحب إليها مما سواه، ويكون سعيها فيما يقربها إليه دون غيره من سائر خلقه" اهـ .

2- أول ما يحاسب عليه العبد، وأعظم ما يسأل عنه:

لأن أساس الحساب على التوحيد، ثم بعد ذلك يحاسبون على بقية الأعمال، حيث ينادي منادٍ يوم القيامة: "لتتبع كل أمة ما كانت تعبد"، فيفرق بين الناس -أولاً- على أساسه.

الصفحة التالية