شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الحمد لله الذي حفظ كتابه

حسام الأشقر • التزكية

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد روى الإمام القرطبي بسنده عن يحيى بن أكثم أنه قال: "كان للمأمون -وهو أمير إذ ذاك- مجلس نظر، فدخل في جملة الناس رجل يهودي حسن الثوب، حسن الوجه، طيب الرائحة، قال: فتكلم فأحسن الكلام والعبارة، قال: فلما أن تقوض المجلس دعاه المأمون فقال له: إسرائيلي؟ قال: نعم.

قال له: أسلم حتى أفعل بك وأصنع، ووعده.

فقال: ديني ودين آبائي! وانصرف.

قال: فلما كان بعد سنة جاءنا مسلمًا، قال: فتكلم على الفقه فأحسن الكلام، فلما تقوض المجلس دعاه المأمون وقال: ألست صاحبنا بالأمس؟ قال له: بلى.

قال: فما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتك فأحببت أن أمتحن هذه الأديان، وأنت مع ما تراني حسن الخط، فعمدت إلى التوراة فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الكنيسة فاشتريت مني، وعمدت إلى الإنجيل فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها البيعة فاشتريت مني، وعمدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ وزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الوراقين فتصفحوها، فلما أن وجدوا فيها الزيادة والنقصان رموا بها فلم يشتروها، فعلمت أن هذا كتاب محفوظ، فكان هذا سبب إسلامي.

قال يحيى بن أكثم: فحججت تلك السنة فلقيت سفيان بن عيينة فذكرت له الخبر؛ فقال لي: مصداق هذا في كتاب الله -عز وجل-. قال: قلت في أي موضع؟ قال: في قول الله -تبارك وتعالى- في التوراة والإنجيل: ( بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ )، فجعل حفظه إليهم فضاع، وقال -عز وجل-: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) فحفظه الله -عز وجل- علينا فلم يضع" تفسير القرطبي (ج10 / ص4) .

فلأن القرآن هو كتاب الله الخاتم المهيمن على ما سبقه من الكتب، الناسخ لما سبقه من الشرائع، فمن ثمَّ تكفل الله -عز وجل- بحفظه؛ فقال -سبحانه-: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (الحجر:9) .

قال القطان في تفسيره: "إن هذه من الآيات الجليلة، والقرآن كلّه جليل عزيز، وفيها تحدّ كبير لكل معاند، وطمأنينةٌ للمؤمنين. فالله -سبحانه وتعالى- يمنُّ علينا بأن هذا القرآن من عنده، وهو حافظٌ له، لم يَكِلْ حِفظه لغيره، فهو ذِكرٌ حيٌّ خالد مصون من التحريف والزيادة والنقصان، وهو باقٍ محفوظ لا يندثر ولا يتبدّل. والتحدي قائمٌ لكل معاند".

وقال العلامة الشنقيطي: "بيَّن -تعالى- في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي نزَّل القرآن العظيم وأنه حافظ له من أن يُزاد فيه أو ينقص أو يتغير منه شيء أو يبدّل، وبيَّن هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) (فصلت:41) ، وقوله: ( لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ) إلى قوله: ( ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) (القيامة:16-19) " أضواء البيان (ج2/ ص381) . فحفظه -سبحانه- من التحريف والتبديل، ومن الزيادة والنقصان ومن التناقض والاختلاف.

قال الرازي في تفسيره: "فإن قيل: فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف وقد وعد الله -تعالى- بحفظه وما حفظه الله فلا خوف عليه؟ والجواب: أن جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله -تعالى- إياه؛ فإنه -تعالى- لما أن حفظه قيضهم لذلك" تفسير الرازي (ج9/ ص284) .

وقد بيَّن -تعالى- في قوله: ( وَمَا كَانَ هَذَا القرآن أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (يونس:37) ، أن هذا القرآن لا يكون أبدًا مفترى من دون الله مكذوبًا به عليه، ولا شك في أنه من رب العالمين، وأشار إلى أن تصديقه للكتب السماوية المنزلة قبله، وتفصيله للعقائد والحلال والحرام ونحو ذلك مما لا شك أنه من الله -جلَّ وعلا-، ودليل على أنه غير مفترى.

ثم أقام -سبحانه- البرهان القاطع على أنه منْ الله، فتحدى جميع الخلق في أن يأتوا بمثله أو حتى بسورة واحدة مثله، بل وعظـَّم داعي التحدي حين أعلن -سبحانه- عجزهم عن ذلك؛ قال -تعالى-: ( فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ ) (الطور:34) ، وقال: ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) (الإسراء:88) ، وقال: ( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ ) (البقرة:23-24) ، ولا شك أنه لو كان من جنس كلام الخلق لقدر الخلق على الإتيان بمثله، فلما عجزوا عن ذلك كلهم حصل اليقين والعلم الضروري أنه من الله -جلَّ وعلا-. "أضواء البيان بتصرف ".

فحفظ -سبحانه- القرآن بكونه معجزًا بكل وجوه الإعجاز: اللغوية، والتشريعية، والعلمية، ودقة الأخبار، وقوة التأثير، وغير ذلك... فلا يستطيع أحد معارضته والإتيان ولو بسورة من مثله؛ ليظل هذا التحدي برهانـًا باقيًا على صدق هذا الكتاب، وصدق هذا الدين الحنيف.

وحفظ -تعالى- كتابه كذلك بأن قيض له في كل زمن، وفي كل جيل أناسًا وطوائف من أهل الإيمان متواترين حفظوا هذا القرآن في الصدور، وسطروه في الصحف، وقاموا باستظهاره وبيانه.

ومن ثمَّ فلم يجعل الله -تعالى- القرآن كالكتب السابقة استحفظها الأحبار والرهبان، كما بيَّن -تعالى-: ( بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ) (المائدة44:) .

"أخبر -تعالى- في هذه الآية الكريمة أن الأحبار والرهبان استحفظوا كتاب الله؛ يعني: استودعوه، وطلب منهم حفظه، ولكنه بيَّن في مواضع أخر أنهم لم يمتثلوا الأمر، ولم يحفظوا ما استحفظوه، بل حرفوه وبدلوه عمدًا" أضواء البيان (ج1/ ص430) ؛ الاستحفاظ بمعنى طلب الحفظ بعناية وفهم.

الصفحة التالية