شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الحمد لله الذي حفظ كتابه

حسام الأشقر • التزكية

وقال الألوسي: "ولم يحفظ -سبحانه- كتابًا من الكتب كذلك، بل استحفظها -جلَّ وعلا- الربانيين والأحبار؛ فوقع فيها ما وقع، وتولى حفظ القرآن بنفسه -سبحانه-؛ فلم يزل محفوظاً أولاً وآخرًا" (ج9/ ص449)، وانظر تفسير القرطبي (ج10/ ص4) .

فضيعوا الأمانة ونقضوا الميثاق؛ فحرَّفوا وبدَّلوا، وكتموا ما كتموا، كما أخبر -تعالى- عنهم: ( يُحَرِّفُونَ الكلم مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ) (المائدة:41) ، ( فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ الله ) (البقرة:79) ، ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ) (آل عمران:187) ، فأفسدوا على الناس دينهم -أصله ورسمه-، وأضلوهم عن الصراط المستقيم، وان بقيت -بفضل الله- نصوص في كتبهم المحرفة تلزمهم بالتوحيد الخالص لله الواحد الأحد لا شريك له؛ لتبقى حجة عليهم لو كانوا يعقلون.

وحفظ -سبحانه- القرآن العظيم؛ لو حَرَّفَ منه أحدٌ حرفـًا واحدًا فأبدله بغيره أو زاد فيه حرفـًا أو نقص منه آخر؛ لرد عليه آلاف الأطفال من صغار المسلمين فضلاً عن كبارهم، فمهما حاول المحرِّفون والمبدِّلون والمغرضون من الكفار والمنافقين أن تمتد أيديهم للنيل من كتاب الله -عز وجل- لابد أن تبوء محاولاتهم بالفشل والفضيحة والخزي؛ ليظهر -سبحانه- حقدهم وحسدهم، ويظهر إعجازه في حفظ كتابه المجيد.

قال الشيخ محمد بن عبد الله دراز في كتابه "النبأ العظيم": "والسر في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت لا التأبيد، وأن هذا القرآن جيء به مصدقًـًا لما بين يديه من الكتب ومهيمنًا عليها، فكان جامعًا لما فيها من الحقائق الثابتة، زائدًا عليها بما شاء الله زيادته، وكان سادًّا مسدها، ولم يكن شيء منها ليسد مسده، فقضى الله أن يبقى حجة إلى قيام الساعة، وإذا قضى الله أمرًا يسر له أسبابه، وهو الحكيم العليم".

"والمتأمل بعد كل هذه القرون الطويلة يوقن أن الله -تعالى- قد حقق وعده في حفظ كتابه، بل ويُبصر إحدى المعجزات الشاهدة على ربانية هذا الكتاب، فلقد جاء على المسلمين أزمنة ضعف وفتن، وفُرقة وهزائم عجزوا فيها عن حماية أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، بل ونِيلَ من عقولهم وأخلاقهم، وصاروا غثاء كغثاء السيل، وتمكن منهم عدوُّهم وتصدر المنافقون والرويبضة، وعلى الرغم من أن أعداء هذا الدين سواء أكانوا من الفرق الضالة المنتسبة للإِسلام أم من غيرهم قدروا في خضم هذه الأحداث على أشياء كثيرة: قدروا على الدس في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لولا أن حفظ -تعالى- لنا السند، وأقام للأمة علماء جهابذة نقوا السنة من كل دخيل-؛ وقدروا على الدس في تاريخ الأمة المسلمة وتزوير الأحداث، وغير ذلك من المفاسد، ولكنهم عجزوا جميعًا، وفي أشد أوقات الفتن حلوكة واضطرابًا أن يحدثوا حدثـًا واحدًا في نصوص هذا الكتاب المحفوظ؛ ولم يكونوا في هذا من الزاهدين؛ فهم لا يدخرون جهدًا في الكيد والافتراء على هذا الدين؛ فلقد كانوا أحرص الناس على نيل هذه الأمنية لو كانت تنال، ولكن هيهات، بقيت نصوص الكتاب كما أنزلها الله؛ حجة باقية على كل أحد، وحجة باقية كذلك على ربانية هذا الذكر وعلى حفظ الله له، وصدق من أرسل به -صلى الله عليه وسلم-، وصدق الله العظيم: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )" الظلال بتصرف .

وحفْظُ اللهِ -تبارك وتعالى- لكتابه ليس قاصرًا على حفظ حرفه ورسمه فحسب، بل وحفظ مقاصده ومعانيه؛ مصداقـًا لقوله -تبارك وتعالى-: ( ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ )، قال ابن عباس -رضي الله عنهما- وعطية العوفي وقتادة: ( ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ): "تبيين حلاله وحرامه".

ومن ثمَّ حفظ لنا -سبحانه- سنة نبيِّه -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنها مبينة للذكر كما قال -تعالى-: ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) (النحل:44) ، وكذلك هي المصدر الثاني لتفسير القرآن بعد تفسير القرآن بالقرآن، كما أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- لذلك؛ فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: لَمَّا نَزَلَتْ: ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ) شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَقَالُوا أَيُّنَا لاَ يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ: (يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) (متفق عليه) ، فدلهم على تفسير القرآن بالقرآن. انظر مقدمة ابن كثير في بيان أحْسَنُ طُرُقِ التَّفْسِيرِ .

وعلى الرغم من أن الحاقدين على هذا الدين كما أسلفنا لمّا عجزوا عن التعرض لكتاب الله امتدت أيديهم الأثيمة إلى أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- فأدخلوا فيها ما ليس منها، ولكن بفضل الله نُقلت بالأسانيد، فاختص الله -تعالى- أمةَ الإسلام بعلم السند "علم مصطلح الحديث"؛ العلم الذي لا مثيل له عند أمة من الأمم، ذلك العلم الذي أبهرت عظمته أعداء الإسلام قبل أتباعه حتى قال قائلهم -المستشرق مرجليوث-: "ليفتخر المسلمون ما شاءوا بعلم حديثهم" مقدمة الجرح والتعديل (ج1/ ص2) .

وأقام -سبحانه- لهذا العلم علماء جهابذة أتقياء أذكياء، نقحوا الأسانيد وأسقطوا كل هزيل، ونقوا السنة من كل دخيل، فبقيت السنة الصحيحة جلية مبهرة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية