شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

من صفات المربي

عصام حسنين • المرأة والأسرة

الحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمن صفات المربي الفاضل:

1- الصلاح وحسن الصلة بالله -تعالى-، والالتزام الكامل بالإسلام عقيدة ومعاملة وسلوكًا؛ بحيث لا يصدر منا قول أو فعل إلا وفق مرضاة الله -تعالى-، ثم نربي أولادنا عليه بالقدوة -وهذا أنجح- والإرشاد والتدريب والملازمة.

ومما يدل على أثر هذه الصفة في التربية قول الله -تعالى- في قصة مريم -عليها السلام-: ( فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا. يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ) (مريم:27-28) .

قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي: أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك؟! قال قتادة: كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح, ولا يعرفون بالفساد, ومن الناس من يعرفون بالصلاح ويتوالدون, وآخرون يعرفون بالفساد ويتوالدون" اهـ من "التفسير 3/122-123" .

وقال الله -سبحانه وتعالى-: ( وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ) (الكهف:82) ، قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-: "فيه دليل على أن الرجل الصالح يُحفظ في ذريته, وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة بشفاعته فيهم, ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة؛ لتقر عينه بهم كما جاء في القرآن, ووردت به السنة. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "حُفظا بصلاح أبيهما, ولم يذكر لهما صلاحًا, وتقدم أنه كان الأب السابع. والله أعلم" اهـ من "التفسير 3/102" .

وقال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ) (التحريم:6).

قال الشيخ الجزائري -حفظه الله-: "إن الوقاية لا تتم إلا بالإيمان وصالح الأعمال بعد اجتناب الشرك والمعاصي, وهذا يتطلب العلم بذلك, وتوطين النفس على العمل بما يعلم من ذلك فعلاً لما يفعل وتركًا لما يترك, فليأخذ العبد نفسه وأهله بهذا نصحًا له ولهم, حتى يقي نفسه, ويقي أهله" اهـ من تفسيره "5/387" .

"ولن يتحقق ذلك إلا بفهمنا وعملنا ودعوتنا لما تضمنته آيات الكتاب, وأحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وهذا الباب عظيم الأهمية، ولا نجد وصية أجمع لأصول التربية الإيمانية والعبادية والعملية والخلقية والمعاملات, والدعوة إلى الله -تعالى- من وصية لقمان لابنه وهو يعظه, ونحن نحتاجها؛ لتربية أنفسنا وإن بلغنا ما بلغنا من السن؛ فاحتياج الإنسان إلى أن يتعود الخير ليس مقصورًا على سن معين, وإن كان في صغره أقرب إلى الإجابة, وأقرب إلى قبول التعود والإعداد, بل هي وصايا لكل إنسان يربي بها نفسه كما يؤدب بها غيره" اهـ من كلام شيخنا "ياسر برهامي" -حفظه الله- على سورة "لقمان" .

وهذه الصفة أصل لما وراءها من الصفات, ومنها تنبع وهي:

2- العلم:

قال -صلى الله عليه وسلم-: ( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ) (رواه ابن ماجة، وصححه الألباني) .

قال إسحاق بن راهوية -رحمه الله-: "معناه: يلزمه طلب علم ما يحتاج إليه من وضوئه وصلاته وزكاته إن كان له مال, وكذلك الحج وغيره", وقال "ابن المبارك" -رحمه الله-: "ليس هو الذي يطلبونه, ولكن فريضة على من وقع في شيء من أمر دينه أن يسأل عنه حتى يعلم" اهـ من "جامع العلم وفضله ص9" .

فيلزم هنا تعلم العلم الذي يتعلق بتربية الأولاد, ويشمل العلم بالشرع, والعلم بالواقع؛ أما العلم بالشرع فهو: ما يتعلق شرعًا بتربية الطفل من تعهد صلاته وصيامه وأخلاقه, وضوابط تأديبه خاصة الزجر والضرب, والعدل بين الأولاد في العطية ونحوها, والعلم الواقع بالنظر في تجارب عقلاء المربين الملتزمين بالمنهج الصحيح, ومن غيرهم إذا وافق منهج الإسلام وشرائعه.

3- تحقيق القوامة التي جعلها الله -تعالى- للرجل على زوجته:

قال الله -تعالى-: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ) (النساء:34) .

قال الشيخ السعدي -رحمه الله- في تفسيره ص177: "أي: قوامون عليهن بإلزامهن بحقوق الله -تعالى- من المحافظة على فرائضهن, وكفهن عن المفاسد, والرجال عليهم أن يلزموهن بذلك, وقوامون عليهن -أيضًا- بالإنفاق عليهن والكسوة والمسكن, ثم ذكر السبب الموجب لقيام الرجال على النساء فقال: ( بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) أي: بسبب فضل الرجال على النساء, وإفضالهم عليهن، فتفضيل الرجال على النساء من وجوه متعددة: من كون الولايات مختصة بالرجال, والنبوة, والرسالة, واختصاصهم بكثير من العبادات: كالجهاد والأعياد والجمع, وبما خصهم الله به من العقل والرزانة والصبر والجَلد الذي ليس للنساء مثله.

وكذلك خصهم بالنفقات على الزوجات يختص بها الرجال ويتميزن عن النساء، فعُلم من هذا كله أن الرجل كالوالي والسيد لامرأته, وهي عنده عانية أسيرة خادمة, فوظيفته أن يقوم بما استرعاه الله به, ووظيفتها القيام بطاعة ربها, وطاعة زوجها فلذلك قال: ( فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ ) أي: مطيعات لله -تعالى-، ( حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ ) أي: مطيعات لأزواجهن, حتى في الغيب تحفظ بعلها في نفسها وماله, وذلك بحفظ الله لهن, وتوفيقه لهن لا من أنفسهن, فإن النفس أمارة بالسوء, ولكن من توكل على الله؛ كفاه ما أهمه من أمر دينه ودنياه..." اهـ .

يا أيها القيم على البيت، قم بواجبك وأد الأمانة المنوطة بك: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ) (متفق عليه) ، بما تضمنته كلمة القيم –أي: القائم على الأمر رعاية ونصحًا ومراقبة-, واعلم أنك مسئول أمام الله -تعالى- عن هذه الرعية, فأعد للسؤال جوابًا، وإياك أن تتخلى عن قوامتك, وتنزل نفسك منزلة التابع لا المتبوع, والمطيع لا المُطاع, والموجَّه لا الموجِّه, والغائب لا الشاهد, والخادم لا المخدوم, فينتهي بك الحال إلى وظيفة جالب الأغراض والحاجيات, وصارت المرأة هي الرجل فتَتَعس وتُتعس, وتـَشقى وتَُشقي، والنتيجة جيل منهار, فالحذر.

الصفحة التالية