من صفات المربي
عصام حسنين • المرأة والأسرة
وليس معنى ذلك أن المرأة قد ألغيت شخصيتها، لا, بل لها مكانتها ووظيفتها, وطاعتها لزوجها, وعدم الترؤس عليه. فمن أسباب دخول المرأة الجنة كما جاء في الحديث: ( وَأَطَاعَتْ بَعْلَهَا ) (رواه أبو نعيم وابن حبان، وصححه الألباني) أي: زوجها في المعروف.
وتظهر الاحترام الشديد له خاصة أمام الأولاد؛ ليشبوا رجالاً مستقرين نفسيًّا, ونساء صالحات متحببات لأزواجهن مطيعات، هذه الصفة من الأهمية بمكان، فإن وجدت والحقوق المتبادلة بين الزوجين؛ كان من وراء ذلك خير كثير, وإلا فضياع, وتعاسة, وفساد للأجيال والمجتمعات كما نرى ذلك أمام أعيننا. والله المستعان.
ومن القوامة: التوجيه -كما بينا-، وليعلم الأبوان أن حجر الأساس في التربية هو: الاتفاق في أمور تربية الأبناء, وألا يظهر تضاد يحسه الولد, أو أن يجد جانبًا يميل إليه دون الآخر, ويكون ذلك بجلسة بينهما يضعان النقاط على الحروف في أمر التربية, والتوجيه والمتابعة.
ولتحقيق القوامة لا بد للأب ألا يكون غائبًا عن البيت لفترة طويلة, فأنى له الإشراف والمتابعة والتوجيه؟!
هل يصح لقيم مدرسة أن يغيب عنها؟ وإن غاب فماذا سيكون حالها؟!! ما تتصوره هنا تأكد أن بيتك سيكون كذلك, بل أسوأ؛ لأن القوامة غابت, ومع الأيام ستجد نفسك في وادٍ, وزوجتك وأولادك في واد آخر, وستندم -وقتئذ- ولات حين مندم.
ومن القوامة: الحزم الذي به قوام التربية، والحازم هو: الذي يضع الأمور في مواضعها, فلا يتساهل في موقف الشدة, ولا يتشدد في موقف يستوجب اللين والرفق, ومن الحزم: إلزام الولد بما يصلحه, وتجنيبه ما يضره كما أمر الله -تعالى- ورسوله -صلى الله عليه وسلم-, ومراقبته, ومتابعته في ذلك, وليس من الحزم أن يقع الوالد أسير ولده, فيدللـه ويلبي جميع رغباته, وترك معاقبته -إن استوجب الخطأ ذلك-, فينشأ مدللاً منقادًا للهوى غير مكترث بالحقوق المفروضة عليه.
وليس من الحزم: أن ينقاد لبكاء الطفل, وغضبه, وصياحه؛ ليدرك أن هذه وسائل غير مجدية, وليست وسيلة للوصول إلى ما يريد, وأن هناك وسائل طيبة توصل إلى المراد بهدوء واحترام كما أن الاستجابة لبكاء الصبي تعوده الاتكال على الآخرين, والضعف عن المطالبة بحق.
وليس من الحزم: أن تراقب ولدك في كل حركة وسكنة, وتعاقب عند كل هفوة, أو زلة، ولكن ينبغي أن تتسامح أحيانـًا, وأن تتغافل أحيانـًا إلا في شيء لا بد فيه من توجيه, أو إرشاد.
ومن الحزم: تعويده النظام المنزلي في طعام وشراب ونوم, والمحافظة على النظافة, وتعويده تنظيم مكان نومه, وترتيب ثيابه وحاجياته, والحذر من الفوضوية في ذلك, فإنها تربي الولد على الفوضى في حياته كلها, وتؤدي إلى تفكك الأسرة, وضياع الأوقات والجهود, وليكن ذلك بحب ورفق وتدريب, لا بأوامر عسكرية يشعر معها الولد أنه في سجن, أو ثكنة عسكرية.
4- الليونة والمرونة:
فالمربي الفاضل هو الذي يجمع في تربية ولده بين الحزم في موضعه, وبين الليونة والمرونة في موضعها، والمقصود بها: قدرة فهم الآخرين بشكل متكامل لا بمنظار ضيق, وليس معناه: الضعف والهوان, وإنما التيسير الذي أباحه الشرع, فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ( يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا ) (متفق عليه) , وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا ) (متفق عليه) , وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) , وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ كَانَ هَيِّنًا لَيِّنًا قَرِيبًا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ ) (رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني) .
فعلى المربي في الأمور المباحة والمشروعة أن يتخير الأيسر كما كان -صلى الله عليه وسلم- إذا خُيِّر بين أمرين اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا, وهذا يكون في الأساليب, والألفاظ, والأوقات والتوجيه؛ ليصل بعقولهم إلى الخير بسهولة ويسر تقبله نفوسهم, وألا تكثر العتاب, فإنه يورث المِلال والجرأة والعناد, ويزيل مهابة الكلام، بَلْه مهابة المربي.
قال الغزالي -رحمه الله- في "الإحياء -باب رياضة الصبيان-": "ولا تكثر القول عليه بالعتاب في كل حين, فإنه يهون عليه سماع الملامة, وركوب القبائح, ويسقط وقع الكلام من قلبه, وليكن الأب حافظًـًا هيبة الكلام معه, فلا يوبخه إلا أحيانـًا, والأم تخوف الأب, وتزجره عن القبائح" اهـ .
5- الحلم والأناة:
وهما خلقان يحبهما الله ورسوله كما قال -صلى الله عليه وسلم- لأشج عبد القيس: ( إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ ) فقال الأشج: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله. (رواه مسلم) .
والحلم سيد الفضائل, ومنبع الخيرات, ومصدر السكينة والهدوء, فما من نتيجة حميدة إلا وكان الحلم سببها والموصل إليها؛ لأنه يقتلع الشر من جذوره, ويرغم الشيطان، قال الله -تعالى-: ( وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ) (الشورى:37) وقال -تعالى-: ( كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ) (آل عمران:80) قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: حلماء علماء, وقال -تعالى-: ( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ) (الفرقان:636) قال الحسن: حلماء، وإن جُهِل عليهم؛ لم يجهلوا.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَعَلَيْهِ رِدَاءٌ نَجْرَانِي غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيُّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عُنُقِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ. فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. (متفق عليه) .