من صفات المربي
عصام حسنين • المرأة والأسرة
وقال -تعالى-: ( وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) (لقمان:13) الآيات.
وأن تعلق العصا في مكان ظاهر يراه الطفل, فهناك من الأطفال من يردعه مجرد رؤية العصا, أو السوط, وقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك فقال: ( عَلِّقُوا السَّوْطَ حَيْثُ يَرَاهُ أَهْلُ الْبَيْتِ، فَإِنَّهُ لَهُمْ أَدَبٌ ) (رواه الطبراني في "المعجم الكبير"، وحسنه الألباني) ، قال ابن الأنباري: "لم يرد الضرب به؛ لأنه لم يأمر بذلك أحدًا, وإنما أراد لا ترفع أدبك عنهم" "فيض القدير" .
كان لأبي محمد العكبري سوط معلق في منزله, فإذا سئل عنه؛ قال: "ليرهب العيال منه" "البداية والنهاية 6/139" .
وأن يخوفه الأب به إن تكرر الخطأ, ولا يهمله أو يغفل عنه, فإن تأديبه ومنعه مما يفسده مسئوليته, وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَلاَ لاَ يَجْنِي جَانٍ إِلاَّ عَلَى نَفْسِهِ، وَلاَ يَجْنِي وَالِدٌ عَلَى وَلَدِهِ، وَلاَ مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) , والجناية: الذنب والجرم.
إن أخطأ الولد تجهمت في وجهه؛ لتعلن أنك غير راض عن فعله, فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا اطلع على أحد من أهل بيته كذب كذبة لم يزل معرضًا عنه حتى يحدث توبة " (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
وإن اعتذر الولد؛ قبلت اعتذاره, وقومت سلوكه, وتحول غضبك إلى ابتسامة حانية راضية.
وإن عاد إلى الخطأ, فاحذر الغضب. وإن كان لا بد من عقاب, فافعله وأنت هادئ؛ لأن الغرض الإصلاح والتأديب, لا الانتقام والتشفي, وانظر إلى تأديبه -صلى الله عليه وسلم-, فعن أنس -رضي الله عنه- قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحَاجَةٍ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لاَ أَذْهَبُ. وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقَالَ: ( يَا أُنَيْسُ أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ ). قُلْتُ: نَعَمْ أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. (رواه مسلم) .
وللضرب قواعد:
أنه ليس هو الأصل إنما يلجأ إليه عند استنفاد الوسائل الأخرى للتأديب, أو الحمل على الطاعات الواجبة.
ألا يكون قبل العاشرة لأجل الصلاة؛ كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلاَةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) , فهذا الأمر بالضرب بالنسبة للصلاة, أما دونها من الأمور الحياتية والسلوكية, فلا يضرب عليها إلا ضربًا دون ضرب الصلاة للتهذيب.
وأن يقلل منه ما أمكن كالملح القليل للطعام يصلحه ولا يفسده, فقد كتب عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- إلى الأمصار يقول: "لا يقرن المعلم فوق ثلاث فإنها مخافة للطفل".
وقال القاضي "شريح": "لا يضرب الصبي على القرآن إلا ثلاثًا كما غطَّ جبريل -عليه السلام- محمدًا -صلى الله عليه وسلم- ثلاثًا".
وأن يصيب بضربه الجلد دون اللحم, وألا يرفع إبطه في الضرب, وأن يجتنب الوجه والمواضع الحساسة، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ؛ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ ) (رواه وأبو داود، وصححه الألباني) .
وإذا استغـاث الطفـل بالله -تعـالى- فيـجب التوقف؛ تعظيمًا لله -تعالى- فـي نفسه, ويقـول: تركـتـك مـن أجـل تعظيمك لاسم الله -تعالى-، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللَّهِ؛ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ، فَأَعْطُوهُ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) . قال الطيبي: "هذا إذا كان الضرب تأديبًا, وأما إذا كان حدًّا فلا, وكذا إذا استغاث مكرًا" انتهى من "تحفة الأحوذي" .
وليحذر القسوة والعنف, فإنها مخالفة للشرع, ويترتب عليها مفاسد كثيرة.
قال ابن خلدون -رحمه الله-: "الفصل الأربعون في أن الشدة على المتعلمين مضرة بهم... ومن كان مربَّاه -أي: تربيته- بالعسف والقهر من المتعلمين, أو المماليك, أو الخدم سطا -أي: سيطر به- القهر, وضيق القهر على النفس في انبساطها, وذهب بنشاطها, ودعاه إلى الكسل, وحمله على الكذب والخبث؛ خوفـًا من انبساط الأيدي بالقهر عليه, وعلمه المكر والخديعة لذلك, وصارت هذه له عادة وخلقـًا, وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن, وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله, وصار عيالاً على غيره في ذلك, بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل, والخلق الجميل, فانقبضت عن غايتها, ومدى إنسانيتها, فارتكس وعاد في أسفل السافلين, وهكذا وقع في كل أمة حصلت في قبضة القهر, ونال منها العسف, واعتبره في كل من يملك أمره عليه, ولا تكون الملكة الكافلة له رفيقة به...
فينبغي للمعلم في متعلمه, والوالد في ولده أن لا يستبدا عليه في التأديب. وقد قال محمد بن أبي زيد: "لا ينبغي لمؤدب الصبيان أن يزيد في ضربهم إذا احتاجوا إليه على ثلاثة أسواط شيئًا"، ومن كلام عمر -رضي الله عنه-: "من لم يؤدبه الشرع؛ لا أدبه الله"، حرصًا على صون النفس عن مذلة التأنيب, وعلمًا بأن المقدار الذي عينه الشرع لذلك أملك له، فإنه أعلم بمصلحته" اهـ بتصرف من "المقدمة, المجلد السادس, نسخة إليكترونية" .
وصلى الله على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه وسلم.